فضائح جامعة ابن زهر تتواصل.. توظيف بالمحسوبية يثير غضب الأكاديميين

حسين العياشي
ما تزال جامعة ابن زهر بأكادير تتصدر عناوين الفضائح المتتالية، معضلة حقيقية للنظام الجامعي المغربي، وسط صمت رسمي مريب لرئاسة الجامعة والوزارة الوصية، ما ينسف مصداقية المؤسسة ويضع سمعتها على المحك. في أحدث هذه القضايا، تفجرت فضيحة توظيف أستاذ محاضر مساعد بالمدرسة العليا للتكنولوجيا، تخصص التدبير الرقمي، حيث أعلنت نتائج المباراة يوم 18 دجنبر 2025 وسط علامات استفهام واسعة حول نزاهة المسار الإداري والشفافية المهنية.
وتشير مصادر “إعلام تيفي”، إلى أن المرشح الذي تم إعلان فوزه مرتبط بعلاقة قرابة مباشرة مع الكاتبة الخاصة لنائب رئيس الجامعة المكلف بالشؤون التربوية، الذي يشغل منصبه منذ أكثر من 14 سنة وعاصر أربعة رؤساء جامعات، وما يزال يتحكم في كل صغيرة وكبيرة داخل الجامعة.
رائحة الفضائح بدئت تلوح منذ يوم 4 دجنبر 2025، حينما جرت المقابلة الشفوية، حيث حضر اثنان من بين ثلاثة مرشحين، بينهم المرشح المقرب، بينما تغيب الثالث. وقد شهدت المقابلة محاولات واضحة من ثلاثة أعضاء في لجنة الانتقاء، وفق المصادر، جميعهم أساتذة بالمدرسة العليا للتكنولوجيا، للدفاع عن المرشح المحظوظ رغم محدودية كفاءته في التخصص المطلوب، بينما تم إقصاء المرشح الأكثر جدارة، الذي امتلك ملفًا علميًا متكاملًا وسيرة أكاديمية متميزة.
الأمر لم يقتصر على المحاباة فحسب، بل وصل إلى مستوى المساس بالإجراءات الرسمية؛ فقد رفض أحد أعضاء اللجنة توقيع محضر المداولات اعتراضًا على النتائج غير الموضوعية، إلا أن صوته تم تجاهله، وتم تمرير النتائج رغم عدم توفر الإجماع. وهو ما يطرح تساؤلات قانونية جوهرية، لأن محضر اللجنة هو أساس شرعية أي قرار إداري، فكيف يُعلن عن نتائج مباراة دون توافق كافة أعضاء اللجنة؟ ومن يتحمل مسؤولية تمرير وثيقة ناقصة التوقيع ومناقضة لمعايير النزاهة؟
أما الأخطر فهو شبهة تضارب المصالح الصريحة، وفق ما صرحت به مصادر “إعلام تيفي”، فوجود علاقة قرابة مباشرة بين المرشح الناجح وأحد إطارات رئاسة الجامعة يستدعي اتخاذ إجراءات وقائية صارمة قبل أي تمرير لنتائج التوظيف. لكن بدلاً من ذلك، سادت أجواء الغموض والصمت، فيما يُنقل عن أعضاء اللجنة أنهم حاولوا تبرير تجاوزهم للمعايير الأكاديمية بدعوى أن المرشح المقرب نعرفه حق المعرفة وسبق أن تعاملوا معه، فيما تم إقصاء المرشح الأحق بدواعي واهية، وهو ما يشكل مساسًا مباشرًا بمبدأ تكافؤ الفرص.
المفارقة الأكبر تمثلت في محاولة اقتراح “تبادل” بين المرشحين، لتغطية اختلالات العملية، وهي خطوة تكشف مدى الانحراف عن المعايير القانونية والأخلاقية في التوظيف الجامعي، خاصة أن المرشح المقرب لم يتم استدعاؤه أساسًا للمقابلة في كلية الحقوق التي كانت المنافسة فيها مشتدَّة، بينما نال منصبه بطريقة ملتوية في المدرسة العليا للتكنولوجيا.
هذه القضية تأتي في سياق سلسلة فضائح مستمرة داخل جامعة ابن زهر، من بينها قضايا “المال مقابل الماستر”، السرقة العلمية، ورسوب 124 طالبًا وطالبة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية، ما يجعل الجامعة نموذجًا صارخًا للاختلالات الإدارية والتدبيرية التي تتراكم على مدى سنوات.
الأمر لا يتعلق بنتيجة مباراة واحدة فقط، بل بالرسالة الخطيرة الموجهة للباحثين الشباب؛ الاجتهاد والكفاءة قد لا تكفي، إذا ما وُجد منطق آخر يشتغل في الظل، قائم على القرابة والمحسوبية والتغاضي عن الكفاءات الحقيقية.
اليوم، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بتبريرات إدارية أو تجاهل ما يُتداول داخل الجامعة؛ المطالبة بفتح تحقيق إداري مستقل أصبحت ضرورة ملحة، للإجابة على سؤال واحد، هل احترمت مباراة التوظيف قواعد النزاهة والاستحقاق، أم تم فرض نتيجة خارج منطق القانون؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير مباراة واحدة فقط، بل ستحدد نوع الجامعة التي يريدها المغرب؛ جامعة للعلم والنزاهة، أم جامعة تُدار بمنطق الصمت والتوظيف بالظلال والمحسوبية؟





