فيضانات آسفي بين التفسير الحكومي ومساءلة التقصير الاستباقي

فاطمة الزهراء أيت ناصر
في أعقاب الفيضانات الاستثنائية التي عرفتها مدينة آسفي، خرج وزير التجهيز والماء، نزار بركة، ليقدم أول توضيح رسمي من داخل البرلمان حول أسباب هذه الفاجعة، في وقت يرى فيه مراقبون أن ما وقع لا يمكن اختزاله في العوامل الطبيعية فقط، بل يعكس إخفاقا حكوميا أعمق في تدبير المخاطر والكوارث.
وأكد الوزير، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن السبب الرئيسي للفيضانات يعود إلى التساقطات المطرية الغزيرة التي تهاطلت في وقت وجيز وبكميات كبيرة، خصوصا وسط مدينة آسفي.
وأوضح أن سد سيدي عبد الرحمان، الذي كان من المفروض أن يحمي المدينة من الفيضانات ويبعد عنها بتسعة كيلومترات، لم يستقبل سوى حوالي 200 ألف متر مكعب من المياه، رغم أن سعته تصل إلى 3.5 ملايين متر مكعب، ما جعله غير قادر على أداء دوره الوقائي، بحكم أن المياه تركزت داخل النسيج الحضري.
وأشار بركة أيضا إلى أن الوزارة كانت قد أصدرت نشرة إنذارية بتاريخ 9 دجنبر، أي قبل حوالي خمسة أيام من وقوع الفيضانات، كما أعلن عن إطلاق دراسة تقنية ميدانية لإنجاز منظومة حماية جديدة لمدينة آسفي، ترتكز أساسا على توسيع المصب حتى يصب واد الشعبة مباشرة في البحر، تفاديا لتكرار هذه المأساة مستقبلا كما نوه بالقرار الملكي القاضي بإطلاق برنامج لإعادة تأهيل المناطق المتضررة وصرف مساعدات عاجلة للأسر المتضررة.
غير أن مراقبين ومتتبعين للشأن العام يرون أن هذه التوضيحات، رغم أهميتها التقنية، تكشف في عمقها عن محدودية التدبير الحكومي الاستباقي، مؤكدين أن صدور نشرة إنذارية دون تفعيل إجراءات وقائية ميدانية فعالة يطرح تساؤلات حول نجاعة منظومة الإنذار المبكر، ومدى جاهزية الحكومة للتعامل مع المخاطر المتوقعة.
وأوضح هؤلاء أن ما وقع في آسفي لا يتحمل مسؤوليته قطاع وزاري بعينه، بل يعكس اختلالا في التدبير الحكومي الجماعي، وغياب رؤية مندمجة لتدبير الكوارث، خاصة في بلد تؤكد فيه الحكومة نفسها أنه بات عرضة للظواهر المناخية القصوى واعتبروا أن الاستمرار في التعاطي مع الفيضانات بمنطق رد الفعل، بدل الوقاية، يفاقم الخسائر البشرية والمادية.
وكشف مراقبون أن هذه الحصيلة الكارثية تسائل بجدية مدى تفعيل الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث، ومصير المخطط الوطني للحماية من الفيضانات، الذي ظل، بحسبهم، دون تنزيل فعلي على أرض الواقع. كما أعادوا التذكير بتوصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الداعية إلى اعتماد مقاربة استباقية ومندمجة، وإخراج قانون خاص بالكوارث، وتعزيز حكامة تدبير المخاطر والطوارئ، وهي توصيات لم تجد بعد طريقها إلى التنفيذ.
وفي السياق نفسه، سجل متابعون ضعف الحضور السياسي للحكومة خلال الأزمات، معتبرين أن غياب رئيس الحكومة عن واجهة تدبير فاجعة آسفي يكرس صورة الارتباك المؤسساتي، في وقت يتم فيه الحديث عن برامج التأهيل الحضري دون توضيح موقع حماية المدن من الفيضانات ضمن هذه البرامج، أو مدى انسجامها مع المخطط الوطني لتنظيم الإغاثة.
ويجمع مراقبون على أن فيضانات آسفي تمثل إنذارا جديدا للحكومة بضرورة الانتقال من خطاب التبرير إلى منطق المسؤولية والمحاسبة، مؤكدين أن الكوارث الطبيعية قد تكون قدرا، لكن حجم آثارها يظل مرتبطا بشكل مباشر بمدى جاهزية الدولة ونجاعة سياساتها الوقائية.





