قراءة في مؤلف الأستاذ عبد الهادي بوطالب نصف قرن من السياسة

د محمد شقير
تشكل مذكرات الأستاذ عبد الهادي بوطالب، الموسومة بـ «نصف قرن في دهاليز السلطة»، وثيقة تاريخية وسياسية بالغة الأهمية، ليس فقط لما تتضمنه من معطيات دقيقة حول مسار الدولة المغربية الحديثة، ولكن أيضاً لما تحمله من شهادات مباشرة صادرة عن فاعل سياسي عاش قلب الأحداث وشارك في صناعتها. فقد انخرط بوطالب، على غرار عدد من رواد الحركة الوطنية، في العمل السياسي في وقت مبكر، ما مكّنه من الاطلاع المباشر على تطورات الحياة السياسية وتقلباتها، ومعايشة عدد كبير من الشخصيات التي أسهمت في صياغة معالم الدولة المغربية بعد الاستقلال.
هذا الموقع المتقدم في قلب الفعل السياسي هو ما يفسر اهتمام الإعلام العربي والدولي بشهاداته، إذ خصه الصحافي أحمد منصور بسلسلة حلقات مطولة ضمن برنامجه الشهير «شاهد على العصر»، تناولت محطات أساسية من تاريخ المغرب المعاصر. وقد صرّح منصور لاحقاً بأن لقاءاته مع عبد الهادي بوطالب كانت من بين أبرز الحلقات التي عرفها البرنامج، لما تميزت به من عمق وجرأة وتوثيق دقيق للأحداث.
لقد أهّل الانخراط المبكر للأستاذ بوطالب في الحركة القومية، التي تحولت لاحقاً إلى حزب الشورى والاستقلال، ثم مشاركته في تجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فضلاً عن قربه من المؤسسة الملكية، لأن يكون شاهداً فريداً على مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، خاصة مرحلة ما قبل الاستقلال والصراع حول بناء الدولة الوطنية. ومن هذا الموقع، عمل بوطالب على تفنيد عدد من المغالطات التي رافقت سرديات شائعة حول تلك المرحلة، وعلى رأسها ما ارتبط بمؤتمر إكس ليبان.
تفنيد أسطورة مؤتمر إكس ليبان
يولي بوطالب حيزاً مهماً لتوضيح حقيقة مؤتمر إكس ليبان، الذي غالباً ما يُقدَّم في بعض الأدبيات السياسية باعتباره محطة مفصلية في مسار استقلال المغرب. ويؤكد بوطالب، استناداً إلى مشاركته المباشرة في الأحداث، أن هذا المؤتمر لم يكن في الواقع مؤتمراً بالمعنى السياسي أو التفاوضي للكلمة، بل محاولة فرنسية لتحويل الصراع المغربي ـ الفرنسي من صراع تحرري تقوده الأمة والسلطان إلى مجرد خلاف داخلي حول العرش.
ويروي بوطالب أن الهدف الحقيقي كان جمع الوطنيين مع القواد الموالين للإقامة العامة الفرنسية في إطار ما سُمّي «حواراً مغربياً ـ مغربياً»، وهو ما رفضه الوطنيون بشكل قاطع. ويؤكد أن الوفد المغربي رفض الاجتماع مع الباشا التهامي الكلاوي وبقية القواد، معتبراً إياهم أدوات للاستعمار، وأن هذا الرفض أدى في النهاية إلى إفشال المشروع برمته.
ويخلص بوطالب إلى أن ما سُمي مؤتمر إكس ليبان «انتهى قبل أن يبدأ»، ولم يكن له أي أثر حقيقي في مسار الاستقلال، بل لم يدخل التاريخ إلا كخدعة سياسية حاولت فرنسا تمريرها. كما ينفي بشكل قاطع أن تكون أول حكومة مغربية بعد الاستقلال وليدة هذا المؤتمر، موضحاً أن تشكيل الحكومة تم بعد عودة السلطان محمد الخامس، وفي إطار مشاورات وطنية خالصة، مارس فيها الملك صلاحياته السيادية بكل استقلالية.
أحداث الريف وتبرئة الخطابي
وفي السياق نفسه، يتوقف بوطالب عند أحداث الريف، مفككاً روايات ربطتها بمحاولة التمرد على النظام الملكي أو بإيعاز من الأمير محمد عبد الكريم الخطابي. ويؤكد أن هذه الأحداث كانت تعبيراً احتجاجياً عن التهميش الذي عرفته المنطقة بعد الاستقلال، خاصة على مستوى الإدماج الإداري والثقافي واللغوي.
ويشدد بوطالب على أن الخطابي لم يكن ضالعاً في تلك الأحداث، مستحضراً شهادة شخصية أدلى بها له الخطابي نفسه بالقاهرة سنة 1950، أكد فيها أن ثورته في عشرينيات القرن الماضي كانت موجهة حصراً ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وليس ضد المؤسسة الملكية. كما يذكّر بوطالب بأن الخطابي وأسرته جددوا البيعة للملك محمد الخامس، وظلوا أوفياء للعرش حتى وفاتهم.
تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية
تُعد شهادة بوطالب حول تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من أكثر المقاطع دلالة في مذكراته، لما تكشفه من تعقيدات العمل الحزبي والصراعات الداخلية داخل الحركة الوطنية. فقد شارك بوطالب في المفاوضات التأسيسية للاتحاد إلى جانب المهدي بن بركة، رغم معارضة الأمين العام لحزب الشورى والاستقلال، محمد بلحسن الوزاني.
ويروي بوطالب كيف أدى هذا الخلاف إلى طرده رفقة عدد من القيادات من حزب الشورى والاستقلال، وكيف واصل مع بن بركة العمل على تأسيس الاتحاد، بل وانخرط في جولات ميدانية عبر مختلف مناطق المغرب لحشد القواعد الحزبية الراغبة في الانضمام إلى التنظيم الجديد. وتبرز هذه الشهادة مدى القناعة السياسية التي حكمت اختيارات بوطالب، واستعداده لتحمل كلفة الانشقاق دفاعاً عن مشروع وحدوي كان يؤمن به.
رصد مكونات النخب السياسية
لا تقتصر مذكرات عبد الهادي بوطالب على سرد الأحداث، بل ترسم أيضاً بورتريهات دقيقة لعدد من الشخصيات السياسية التي لعبت أدواراً محورية في تاريخ المغرب. ويقدم تحليلاً مقارناً لأسلوبي الحكم لدى الملك محمد الخامس والملك الحسن الثاني، مبرزاً أن الأول كان يسعى إلى الحكم بالإجماع، بينما كان الثاني يقبل بمنطق الأغلبية، في تعبير عن انتقال من مدرسة مثالية إلى مدرسة واقعية في ممارسة السلطة.
كما يقدم بوطالب توصيفات دقيقة لشخصيات مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، والحسن اليوسي، وأحمد بن سودة، مستحضراً مزيجاً من الخصائص السياسية والأخلاقية والثقافية لكل واحد منهم. وتكشف هذه البورتريهات عن فهم عميق لبنية النخب السياسية المغربية، وتنوع خلفياتها وأساليب عملها.
التجربة الدبلوماسية وشهادات نادرة
تشكل التجربة الدبلوماسية لعبد الهادي بوطالب أحد أغنى محاور المذكرات، بحكم تقلده مناصب وزارية ودبلوماسية حساسة، خاصة خلال عهد الملك الحسن الثاني. فقد كلفه الملك بعدة مهمات كمبعوث خاص إلى عدد من القادة العرب، وأسهم في التحضير لمؤتمرات عربية وإسلامية كبرى.
ومن أبرز الشهادات التي يسردها بوطالب تلك المتعلقة بانقلاب معمر القذافي على الملك إدريس السنوسي، حيث وجد نفسه شاهداً مباشراً على الساعات الأولى للانقلاب أثناء وجوده في طرابلس. ويقدم وصفاً دقيقاً للأجواء الأمنية، ولتعامله مع القائمين على السفارة المغربية، ثم لقاءاته اللاحقة بالقذافي، التي تحولت إلى علاقة شخصية متينة.
كما يروي بوطالب تفاصيل حضوره القمم العربية المغلقة، خاصة القمة العربية الخامسة بالرباط، كاشفاً عن كواليس النقاشات الحادة بين القادة العرب، ودور الملك الحسن الثاني في إدارة الخلافات، خاصة في ما يتعلق بتمويل المواجهة مع إسرائيل واستقلالية القرار السيادي لكل دولة.
خلاصة تقييمية
في المحصلة، لا يمكن اعتبار مذكرات عبد الهادي بوطالب مجرد سيرة ذاتية أو سرد شخصي لمسار سياسي، بل هي شهادات حية وموثقة لفترة مفصلية من تاريخ المغرب المعاصر. فهي تجمع بين التجربة الشخصية والتحليل السياسي، وتقدم مادة غنية للباحثين في العلوم السياسية والتاريخ المعاصر، خاصة في ما يتعلق بفهم خصوصية النظام السياسي المغربي، وتطور علاقته بالأحزاب، وبالنخب، وبالمحيطين العربي والدولي.
ولهذا، تشكل هذه المذكرات إضافة نوعية للمكتبة الأكاديمية المغربية والعربية، ومصدراً لا غنى عنه لكل باحث يسعى إلى مقاربة تاريخ الدولة المغربية الحديثة من زاوية الفاعلين لا فقط من زاوية النصوص الرسمية.





