كلفة المنازعات الإدارية وأثرها على فاعلية المرفق العمومي

عبد الحي الغربة*
*أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
تُعدُّ المنازعات الإدارية واحدةً من أبرز الظواهر القانونية المتصلة بالعلاقة بين الإدارة العمومية والمواطنين أو الفاعلين الاقتصاديين بالمغرب. فبينما تسعى الإدارة إلى تنفيذ السياسات العمومية وتحقيق المصلحة العامة، قد ينجم عن بعض تصرفاتها أو قراراتها ما يمكن أن يُعدَّ مخالفةً للقانون أو لمبدأ المشروعية الإدارية، مما يدفع المتضررين إلى اللجوء إلى القضاء الإداري طلبًا للإنصاف والعدالة وتحقيق الأمن القانوني. ويتفرع عن ذلك نظام قانوني وقضائي مُنظَّم، تتمثل أهم أدواته في القضاء الإداري المغربي الذي يراقب مشروعية أعمال الإدارة ويضبط حدود سلطتها، بما يوازن بين حماية المصلحة العامة وحقوق الأفراد.
وقد أدى ظهور القضاء الإداري، خاصةً مع إنشاء مجلس الدولة الفرنسي، إلى تكريس مبدأ خضوع الإدارة للقانون وتعزيز الرقابة على أعمالها. غير أن هذه المنازعات لا تؤثر فقط في الأطراف المتنازعة، بل تمتد آثارها لتطال سير الإدارة العمومية وتنظيمها وفعاليتها.
وقد عرفت تجربة القضاء الإداري بالمغرب تطورًا مهمًّا، وصولًا إلى مرحلة القضاء المتخصص الذي يبتّ في المنازعات التي تكون الإدارة طرفًا فيها، ويهدف إلى مراقبة مشروعية أعمال الإدارة وحماية الحقوق الفردية من القرارات الإدارية المشوبة بعيب من عيوب المشروعية. وقد أحدث المشرع المغربي المحاكم الإدارية سنة 1993 بمقتضى القانون رقم 41.90 لإرساء هذا النظام القضائي المتخصص، لتحلَّ محلَّ الاختصاصات السابقة التي كانت بيد الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليًا).
ومع تطور الدولة الحديثة وتزايد تدخل الإدارة في مجالات متعددة، برز ارتفاع ملحوظ في عدد المنازعات الإدارية خلال السنوات الأخيرة، مما يطرح العديد من التساؤلات حول أسبابها وكيفية تدبيرها وكلفتها وأثرها في التنمية والعدالة.
وبالتالي، نتساءل: إلى أي حدٍّ تُشكِّل المنازعات الإدارية بالمغرب مؤشرًا على تحديات منظومة الإدارة العمومية؟ وما المجالات الأكثر عرضة لهذه المنازعات؟ وكيف يمكن تقليصها دون المساس بحقوق الأفراد والمصلحة العامة؟
المحور الأول: تطور المنازعات الإدارية بالمغرب – قراءة في بعض الأرقام والأسباب
شهدت المحاكم الإدارية بالمملكة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد القضايا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات معينة مثل الصفقات العمومية والعقود الإدارية. ففيما يتعلق بالصفقات العمومية وحدها، ارتفع عدد الملفات من 1969 قضية سنة 2023 إلى 2218 قضية سنة 2024، قبل أن يصل إلى 2577 قضية سنة 2025، وهو ما يعكس تصاعدًا مطّردًا في النزاعات المرتبطة بتنفيذ العقود والمساطر الإدارية.
ويعكس هذا الارتفاع في منازعات الصفقات العمومية حجم التحديات التي يواجهها المغرب في تدبير الاستثمار العمومي، خصوصًا في ظل الاستثمارات الكبرى في المشاريع المهيكلة. كما تشير العديد من التقارير إلى زيادة القضايا المتعلقة بالدولة من 14.505 قضية سنة 2014 إلى 21.218 قضية سنة 2024، وهو ما يبرز اتساع نطاق المنازعات الإدارية ككل.
كما تُعدُّ منازعات نزع الملكية لأجل المنفعة العامة من أبرز المنازعات الإدارية، وتنشأ غالبًا بسبب تعارض مصلحة الدولة في تنفيذ مشاريع تنموية مع حق الأفراد في حماية ملكيتهم الخاصة. ومن أهم أسبابها الخلاف حول توافر شرط “المنفعة العامة” ومدى جديته، أو الطعن في سلامة الإجراءات القانونية، كإصدار قرار النزع دون استيفاء الشروط الشكلية والموضوعية المنصوص عليها قانونًا.
كما تُثار منازعات بشأن تقدير التعويض العادل، إذ قد يرى المالك المنزوعة ملكيته أن التعويض المقرر لا يعكس القيمة الحقيقية للعقار أو الأضرار اللاحقة به. كذلك قد تنشأ المنازعة نتيجة التأخر في صرف التعويض أو الاستيلاء الفعلي على العقار قبل إتمام الإجراءات القانونية، مما يدفع المُلَّاك إلى اللجوء إلى القضاء الإداري طلبًا لإلغاء القرار أو تعديله أو الحكم بتعويض مناسب.
ويمكن الإشارة إلى أنه ما بين سنتي 2023 و2024 سُجِّلت بالمحاكم الإدارية زيادة ملحوظة في قضايا نزع الملكية، وصلت إلى نحو 198% في بعض الدوائر القضائية (مثل الرباط ومراكش)، مما يعكس انتشار هذه المنازعات مع تنامي تدخل الدولة.
كما تشير الإحصاءات إلى تسجيل المحاكم الإدارية أكثر من 110.000 قضية إدارية خلال سنة 2024، تشمل طعونًا في القرارات الإدارية، ودعاوى التعويض عن الضرر، ونزع الملكية لأجل المنفعة العامة، ومنازعات الوظيفة العمومية، وهو ما يعكس تعدد أبعاد وتأثيرات المنازعات الإدارية.
ويمكن تفسير هذا الارتفاع في المنازعات الإدارية بتعقيد الإجراءات الإدارية، وضعف التوافق بين الإدارة والمقاولات أو الأفراد، وتوسع تدخل الإدارة في مجالات اقتصادية واجتماعية متعددة، بالإضافة إلى ضعف بعض آليات الوقاية قبل النزاع، مثل التدقيق الداخلي وغياب مصالح أو خلايا مؤهلة لتدبير المنازعات داخل مختلف الإدارات.
المحور الثاني: كلفة المنازعات الإدارية بالمغرب وانعكاسها على فاعلية المرفق العمومي
لا شك أن المنازعات الإدارية تؤثر إيجابًا في الإدارة العمومية من خلال تعزيز مبدأ المشروعية، إذ تدفعها إلى توخي الدقة في إصدار قراراتها واحترام القوانين والتنظيمات المعمول بها تفاديًا لإلغائها أو الحكم عليها بالتعويض. كما تسهم هذه المنازعات في حماية حقوق الأفراد وترسيخ الثقة في المرفق العام، لأن شعور المواطن بوجود قضاء مستقل يفصل في النزاعات الإدارية يعزز الإحساس بالأمن القانوني. ومن جهة أخرى، تشكل الأحكام القضائية مرجعًا عمليًا للإدارة، فتستفيد منها في تطوير أدائها وتحسين صياغة قراراتها وتفادي الأخطاء المتكررة مستقبلًا.
ومع ذلك، فإن للمنازعات الإدارية آثارًا سلبية قد تنعكس على سير الإدارة العمومية، خاصة عندما تتعدد الطعون وتتراكم القضايا، مما يؤدي أحيانًا إلى تعثر تنفيذ المشاريع والبرامج العمومية. كما قد تترتب عنها أعباء مالية نتيجة التعويضات المحكوم بها، وهو ما يؤثر في مالية الدولة. وقد يدفع الخوف من الطعن بعض المسؤولين إلى التردد في اتخاذ القرارات، مما ينعكس على فعالية الأداء الإداري ويؤدي إلى نوع من الحذر المفرط الذي قد يعيق سرعة الإنجاز.
وتبعًا لذلك، تبقى كلفة المنازعات الإدارية بالمغرب عبئًا ماليًا ومؤسساتيًا متزايدًا على الإدارة العمومية، سواء من حيث التعويضات المحكوم بها ضد الدولة والجماعات الترابية، أو من حيث المصاريف المرتبطة بأتعاب الدفاع وتنفيذ الأحكام. وقد تعزز دور القضاء الإداري منذ إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90، في إطار تكريس دولة الحق والقانون كما ينص عليه دستور المملكة لسنة 2011، مما أدى إلى ارتفاع عدد القضايا المرتبطة بالمسؤولية الإدارية ونزع الملكية والصفقات العمومية.
وتنعكس هذه الكلفة سلبًا على فاعلية المرفق العمومي، إذ تؤدي إلى استنزاف الموارد المالية المخصصة للاستثمار والخدمات، كما قد تُحدث نوعًا من التحفظ أو البطء في اتخاذ القرار الإداري خوفًا من الطعن القضائي. غير أن هذه المنازعات، رغم كلفتها، تسهم في المقابل في تحسين جودة الأداء الإداري عبر تكريس مبدأ المشروعية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز الثقة في الإدارة ويُرسِّخ الحكامة الجيدة.
وعليه، فإن تأثير المنازعات الإدارية في الإدارة العمومية يظل مزدوجًا؛ فهي من جهة آلية أساسية لضمان احترام القانون وحماية الحقوق، ومن جهة أخرى قد تشكل تحديًا عمليًا وماليًا وتنظيميًا. غير أن حسن تدبير هذه المنازعات، عبر تحسين التكوين القانوني للموظفين، وتفعيل آليات التسوية الودية، وتعزيز جودة القرارات الإدارية، من شأنه أن يحولها من عبء محتمل إلى أداة لإصلاح الإدارة وتطويرها في إطار دولة القانون.
خاتمة
في الختام، تُعدُّ المنازعات الإدارية بالمغرب مرآةً عاكسةً للتفاعل بين الإدارة والمجتمع، وتكشف عن تحديات تتعلق بالجوانب القانونية والتنظيمية والتنفيذية في نشاط الإدارة. وبالرغم من الدور المحوري للقضاء الإداري في حماية الحقوق وضبط شرعية القرارات الإدارية، فإن الارتفاع المستمر في عدد المنازعات يدعو إلى تعزيز آليات الوقاية، وتحسين جودة القرارات الإدارية، وتحديث منظومة الحكامة.
كما أن فهم أسباب المنازعات والمجالات الأكثر عرضة لها يُمكِّن من وضع استراتيجيات فاعلة للتقليل من آثارها السلبية، مع الحفاظ على توازن فعّال بين حماية المصلحة العامة وضمان حقوق الأفراد.
فالمنازعات الإدارية، رغم ما قد تسببه من أعباء على الإدارة العمومية، تبقى آلية ضرورية لضمان المشروعية وحماية الحقوق، إذ تمثل وسيلة لتقويم العمل الإداري وتطويره، شريطة أن تُدار بشكل يوازن بين حماية الحقوق وضمان استمرارية المرفق العام.





