كيف استفاد المغرب من كأس إفريقيا اقتصاديا خارج حدود المستطيل الأخضر؟ (حوار)

أميمة حدري: صحافية متدربة
في الفترة الممتدة من 21 دجنبر إلى 18 يناير، أثبت المغرب مرة أخرى قدرته على تنظيم التظاهرات الكبرى، محولا كأس أمم إفريقيا إلى منصة لإبراز طموحاته الوطنية واستعداده لمستقبل رياضي واسع. لم تقتصر البطولة على المباريات داخل الملاعب، بل شكلت تجربة متكاملة، كشفت عن رؤية واضحة بدأت منذ لحظة الإعلان عن استضافة المملكة للحدث، وشملت تطوير البنية التحتية للملاعب والمدن المهيأة لاستقبال الجماهير والفرق.
ومع انتهاء هذا العرس الكروي، تطرح تتجه الأنظار إلى استفادة المغرب اقتصاديا وسياحيا من تنظيمها، والدور الذي لعبته معايير التنظيم العالمية في تعزيز صورة المملكة على المستوى الدولي، وإلى أي حد استطاعت وسائل الإعلام والسياح والمؤثرون نقل صورة المغرب الحقيقية للعالم.
في هذا الحوار، يجيبنا الخبير الاقتصادي خالد أشيبان، عن هذا الأسئلة، مبرزا الاستراتيجية الوطنية التي جعلت من كأس إفريقيا تجربة غير مسبوقة، تجاوزت حدود الرياضة لتصبح قصة نجاح على المستويين الاقتصادي والسياحي.
بداية، أي أثر سيكون لتنظيم كأس أمم إفريقيا على المستوى الاقتصادي؟
الجواب لا يبدأ من انطلاق البطولة نفسها، بل منذ يوم الإعلان عن استضافة المغرب للكأس. فقد أطلقت أوراش كبيرة، سواء فيما يخص الملاعب أو البنية التحتية، وكان للأمر أثر مباشر على الاقتصاد الوطني من حيث خلق فرص الشغل والمساهمة في النمو، وهو مكسب اقتصادي مهم.
عادة، المكاسب التي تحققها البطولة تتمثل في الترويج للمغرب، أولا عبر السياحة التي تم استقطابها. وفي هذا السياق، لا يجب أن ننسى أن كأس الأمم الأفريقية لا يمكن مقارنتها بكأس العالم من حيث جذب أعداد ضخمة من السياح، خاصة أن الكثير من الدول الأفريقية محدودة الإمكانيات الاقتصادية، لكن المغرب استطاع استقطاب سياح بفضل تسهيل إجراءات التأشيرات والاستقبال.
الأثر الاقتصادي الآخر المهم يتمثل في إشعاع صورة المغرب عالميا، سواء من خلال المباريات داخل الملاعب أو عبر ما تم نقله عبر المؤثرين، وجذب الزوار من الدول العربية وحتى أوروبا. هذه الأثر لا يظهر مباشرة، لكنه ينعكس مع الوقت على السياحة، حيث شاهد الكثيرون الفيديوهات التي غيرت تصورهم عن المغرب وجعلتهم يفكرون في زيارته، وهو ما سينعكس على التظاهرات الرياضية المقبلة في البلاد.
ونظرا للمستوى العالي للبطولة وتنظيمها المتقن، أصبح المغرب بلدا ذو بنية تحتية متطورة، يستقبل ضيوفه بحرارة وترحاب، وهو ربح كامل على مستوى الصورة الاقتصادية والسياحية. أما الآثار المباشرة، فلا يمكن قياسها بسهولة، بينما الآثار غير المباشرة كبيرة ولكن يصعب تحديدها حاليا، لذلك نحن في انتظار الأرقام الرسمية من الحكومة أو الجامعة المنظمة أو اللجنة المنظمة للبطولة، لمعرفة حجم الأرباح المالية للبطولة وكيفية استثمارها كبلد.
هل يمكن اعتبار كأس أمم إفريقيا رافعة لتسويق المغرب كوجهة سياحية مستدامة؟
الإشاعة التي شهدناها خلال هذا الشهر تكفي لتوضيح النجاح، لأننا قمنا بترويج المغرب كوجهة سياحية بطريقة جيدة. حقوق النقل أخذت لأول مرة من دول لم تكن تحظى بها، ما مكن العالم من متابعة المغرب عبر هذه القنوات. كما أن عدد السياح، والمؤثرين، والصحفيين الذين حضروا البطولة كان قياسيا لأول مرة، وهو ما ساهم في تعزيز صورة المغرب.
والجميل أنه لم يتم الترويج للجانب الرياضي فقط، بل روجنا للمغرب ككل، للقرى والمدن والمناطق المختلفة. كما ساعدت الظروف الطبيعية، من تساقط الثلوج والأمطار، في إبراز جمال الطبيعة الخلابة، مما جذب السياح وعزز صورة المغرب العالمية. هذه الجوانب لا يمكن قياس قيمتها المادية بدقة، لكنها واضحة في تأثيرها على السياحة وزيارة المناطق المختلفة في المغرب.
هذا النجاح ليس غاية بحد ذاته، بل بداية لتحقيق أهداف أكبر نحو عام 2030، حيث سنستعد للتظاهرات الرياضية المقبلة، ونستضيفها بشكل يضمن أقصى استفادة ممكنة للبلاد، على المستويين الاقتصادي والسياحي.
ما الدروس الاقتصادية التي يمكن استخلاصها استعدادا لتنظيم كأس العالم 2030؟
اليوم، اعتقد أننا برهنا أننا سابقون للوقت بأربع سنوات، لأننا نظمنا كأس إفريقيا وفق معايير توازي كأس العالم. لقد شاهدنا الملاعب بمستوى عالمي، والفنادق المجهزة، والمدن المهيأة لاستقبال التظاهرات الكبرى.
كأس العالم سيكون مختلفا عن كأس إفريقيا من حيث السياحة، لأن الدول المشاركة تجلب السياح ذوي القدرة على السفر ومتابعة منتخباتهم. لذلك، لاحظنا أن هناك خصوصية في البنية التحتية للمدن، في الفنادق، ووسائل النقل العام، وفي المرافق الترفيهية، وكذلك في الربط بين المدن والتظاهرات، بما يضمن استفادة عامة للسائح، الذي لا يكتفي بمشاهدة المباريات، بل يزور المناطق الأخرى في المغرب، يستمتع ويصرف أمواله، وهو ما يمثل قيمة اقتصادية كبيرة.
رأينا اليوم أننا مستعدون لكأس العالم، لأن كل الأمور تدار وفق أعلى المعايير. هذه الفترة ستكون فرصة لتعزيز هذا المسار بالكامل، بحيث لا يكون هناك تفرقة بيننا وبين دول مثل إسبانيا والبرتغال في عام 2030، وأن نكون أفضل منهم لما لا. هذه البطولة أثبتت أننا، بإرادتنا، قادرون على كل شيء، وساهمت في ترويج صورة المغرب بشكل ممتاز.










