كيف يمكن للمغرب الاستفادة القصوى من مياه الأمطار المتساقطة؟(حوار)

فاطمة الزهراء أيت ناصر 

يشهد المغرب خلال الأسابيع الأخيرة تساقطات مطرية وثلجية مهمة أعادت الأمل في التخفيف من آثار سنوات الجفاف المتتالية، غير أن جزءا كبيرا من هذه الموارد المائية يضيع دون استغلال، حيث تتجه كميات هامة من مياه الأمطار عبر قنوات الصرف الصحي لتصب مباشرة في البحر، ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه البلاد من تراجع حاد في منسوب السدود واستنزاف الفرشة المائية، مما يجعل كل قطرة ماء ذات قيمة استراتيجية.

هذا الوضع يثير تساؤلات واسعة لدى المواطنين، خاصة في المدن الساحلية شمال البلاد التي تسجل سنويا أعلى معدلات التساقطات المطرية، فمشاهد السيول الجارفة المتجهة نحو البحر تطرح سؤال جدوى البنيات التحتية الحالية، ومدى قدرتها على مواكبة التحديات المناخية المتزايدة، كما تكشف هذه الظاهرة عن غياب أو محدودية آليات فعالة لتجميع مياه الأمطار وإعادة توجيهها نحو الاستعمالات الفلاحية أو تغذية الفرشات المائية.

لمعرفة طريقة تعامل المغرب مع هذه المياه المهمة، قمنا بحوار مع محمد بنعبو خبير في المناخ والتنمية المستدامة، إليكم نص الحوار:

ما هي الاستراتيجية الوطنية التي يعتمدها المغرب لتدبير مياه الأمطار؟

 يعتمد المغرب أساسا على سياسة بناء السدود كخيار استراتيجي وطني، وذلك لعدة أهداف رئيسية، الهدف الأول هو حماية المدن والحواضر من الفيضانات من الدرجة الأولى، لأن كثرة المياه قد تتسبب في سيول جارفة تشكل خطرا حقيقيا على البنية التحتية والممتلكات والأرواح.

كما أن تجميع المياه يساهم في التحكم في تدفقها وتصريفها بشكل آمن، خاصة عندما يصل منسوب السدود إلى مستويات مرتفعة قد تشكل تهديدا لسلامتها وللأراضي الفلاحية والمناطق السكنية المجاورة.

 كيف تطورت شبكة السدود في المغرب خلال العقود الأخيرة؟

 عرف المغرب تطورا كبيرا في مجال بناء السدود، حيث انتقل من التوفر على 13 سدا فقط في القرن الماضي إلى أكثر من 155 سدا كبيرا اليوم، في إطار سعيه لبلوغ قدرة تخزين تناهز 30 مليار متر مكعب من المياه.

وقد تم خلال السنة الماضية الانتهاء من بناء سدود جديدة شرع في ملئها تدريجيا، إلى جانب سدود أخرى في طور الإنجاز وأخرى مبرمجة مستقبلا.

هذه الشبكة الوطنية الواسعة تعد الوسيلة الأساسية لتجميع مياه الأمطار التي كانت تضيع سابقا في البحر أو المحيط، غير أن إشكالية التبخر تبقى تحديا حقيقيا بسبب موجات الحر المرتبطة بالتغيرات المناخية، والتي تتسبب في ضياع ملايين الأمتار المكعبة سنويا.

 هل يقتصر المغرب على السدود فقط لمواجهة التغيرات المناخية وضمان الأمن المائي؟

 لا، فبناء السدود ليس الحل الاستراتيجي الوحيد، في إطار البرنامج ذي الأولوية الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس في يناير 2020، انفتح المغرب على حلول غير تقليدية، من بينها تحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها.

هذه الخيارات تكتسي أهمية خاصة في ظل التغيرات المناخية العنيفة التي يعرفها المغرب، حيث يمكن لفترات الوفرة المائية أن تتحول إلى فيضانات مدمرة، في حين تعود فترات الجفاف بسرعة، وقد مكنت هذه الاستراتيجية المتكاملة المغرب من تجميع ما يناهز 7 مليارات متر مكعب من المياه إلى حدود الساعة.

ما انعكاس هذه التساقطات على الموسم الفلاحي الحالي؟

الموسم الفلاحي يتكون من شقين أساسيين: الزراعات الشتوية والربيعية، نحن حاليا في فترة الزراعات الشتوية التي تشمل القمح والشعير والذرة، وهي محاصيل أساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، إضافة إلى الأشجار المثمرة التي تحتاج إلى دفعات مائية مهمة خلال فصل الشتاء.

استمرار التساقطات إلى حدود شهر مارس يعد عاملا حاسما لضمان موسم فلاحي جيد، ورغم المؤشرات الإيجابية الحالية، يبقى الحكم النهائي مرتبطا بتطور الظروف المناخية في شهري أبريل وماي، حيث قد تتدخل الحرارة المفرطة المبكرة أو تأخر الأمطار، مما يؤثر على جودة المنتوج.

ومع ذلك، تبقى المعطيات المائية الحالية مبشرة، وتدل على تعاف تدريجي دون أن يعني ذلك تجاوز مرحلة الجفاف بشكل نهائي، مع الأمل أن تكون هذه الأمطار أمطار رحمة دون خسائر في الأرواح والممتلكات.

تثير التجربة الألمانية في تدبير مياه الأمطار بالمغرب اهتماما واسعا، خصوصا مع التوجه نحو تجهيز المباني السكنية للتكيف مع التغيرات المناخية وعقلنة استهلاك الموارد المائية، حيث من المقرر بدء التجربة في مدينتي طنجة ومراكش.

ويرى بعض الخبراء أن نظام الصرف الحضري يعد أداة أساسية لجمع ونقل وإدارة مياه الأمطار في المدن، بما يساهم في منع الفيضانات وتحسين نوعية المياه من خلال شبكات من الأنابيب والخنادق وأحواض الاحتفاظ، مع إمكانية الاستفادة من تصاميم هندسية متنوعة لمجار مصارف مياه الأمطار.

على الجانب الآخر، يعتبر بعض المتخصصين أن السماح لمياه الأمطار بالجريان الطبيعي نحو الوديان والبحار يحمل فوائد بيئية كبيرة، إذ يدعم التوازنات الإيكولوجية ويغذي الفرشة المائية ويعزز الثروة السمكية الساحلية من خلال نقل المواد العضوية والنباتية إلى الشواطئ، ما يساهم في نشاط الصيد الساحلي، كما أن توزيع المياه على المجاري الطبيعية يضمن تغذية شاملة للفرشات المائية بدل حصرها في مناطق محددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى