ما بعد الاستخراج: هل يستعد المغرب لقيادة سلاسل القيمة المنجمية الإفريقية؟

حسين العياشي

يُسلّط تقرير حديث صادر عن “المجلس الأطلسي” حول ما يُعرف بـ”الممرات التعدينية” الضوء على تحوّل عميق في تصور التنمية داخل القارة الإفريقية، تحوّل لم يعد ينظر إلى الثروات الطبيعية بوصفها موارد قابلة للاستخراج والتصدير فقط، بل كجزء من منظومة جيو-اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها البنية التحتية مع الصناعة والطاقة وسلاسل القيمة العالمية. وفي قلب هذا التحول يبرز المغرب ليس كدولة منجمية تقليدية، بل كحلقة ارتكاز لوجستية وصناعية قادرة على هندسة ممرات أطلسية تربط إفريقيا بالأسواق الدولية الكبرى.

هذا التصور الجديد يتجاوز المقاربات القديمة التي اختزلت النشاط المنجمي في استخراج المواد الخام وشحنها نحو الخارج، ليقدم نموذجًا يقوم على بناء منظومة مترابطة تشمل الإنتاج والتحويل الصناعي والنقل والطاقة والاندماج الترابي. ووفق هذا المنظور، فإن الدول التي ستنجح في العقود المقبلة ليست تلك التي تملك الموارد فقط، بل تلك التي تستطيع بناء بنى تحتية متماسكة، وتوطين جزء معتبر من القيمة المضافة الصناعية. في هذا السياق، يبرز المغرب بوصفه حالة متقدمة نسبيًا، حيث انخرط منذ سنوات في استراتيجية تقوم على تطوير موانئ عالمية، وإقامة مناطق صناعية مندمجة، وجذب الاستثمارات نحو حلقات ما بعد الاستخراج بدل الاكتفاء بعائدات الريع المنجمي.

ورغم أن الفوسفاط يظل رافعة أساسية ضمن الاقتصاد المغربي عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، فإن الرهان المطروح يتجاوز هذا القطاع التاريخي. فمفهوم الممرات التعدينية يفتح الباب أمام تنويع استراتيجي يشمل معادن حيوية مرتبطة بالتحول الطاقي العالمي، مثل المعادن المستخدمة في البطاريات، ومدخلات إنتاج الهيدروجين الأخضر، والمواد الاستراتيجية للصناعات النظيفة. ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب، عند تقاطع إفريقيا وأوروبا والمجال الأطلسي، أفضلية بنيوية نادرة تجعله مؤهلًا ليكون منصة لتحويل وتوزيع التدفقات المنجمية الإفريقية نحو الأسواق الدولية.

في هذا الإطار، لم تعد موانئ مثل طنجة المتوسط أو الجرف الأصفر أو المشروع المستقبلي للناظور غرب المتوسط مجرد نقاط عبور لوجستي، بل تحولت إلى عقد صناعية متكاملة تجمع بين النقل البحري والمناطق الحرة والأنشطة التحويلية. ومن زاوية التقرير، يمكن لهذه المراكز أن تصبح محطات ارتكاز لممرات تعدين تربط غرب ووسط إفريقيا بسلاسل القيمة الأوروبية والأمريكية، بما يعني انتقال المغرب من موقع المصدّر للمواد الخام إلى موقع الوسيط الاستراتيجي الذي ينظم تدفق الموارد ويحتضن عمليات تحويلها جزئيًا أو كليًا على أراضيه.

ولا تقف تداعيات هذا التحول عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى المجال الجيوسياسي. ففي عالم تتنافس فيه قوى كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تأمين إمداداتها من المعادن الاستراتيجية، يملك المغرب مقومات التموقع كشريك موثوق ومستقر وقادر تكنولوجيًا. كما أن رصيده الدبلوماسي في إفريقيا، المبني على شراكات اقتصادية ملموسة بدل الاصطفافات الإيديولوجية، يمنحه شرعية خاصة للعب دور الميسر الإقليمي للممرات التعدينية الأطلسية.

ويشير التقرير إلى أن ممرات القرن الحادي والعشرين لن تقوم على البنية التحتية المادية وحدها، بل ستعتمد بدرجة حاسمة على الرأسمال البشري والبحث العلمي والابتكار الصناعي. وهنا تتجلى فرصة المغرب في تحويل تفوقه اللوجستي إلى ميزة تنافسية مستدامة، مستندًا إلى شبكة مدارس الهندسة، وشراكاته الدولية، ومنظومته الصناعية التي تشهد تصاعدًا تدريجيًا في القيمة التقنية، بما يتيح تطوير كفاءات في هندسة المناجم والكيمياء الصناعية واللوجستيات المتقدمة والتقنيات الخضراء.

وتتقاطع هذه الدينامية مع الطموحات المغربية في مجالات الهيدروجين الأخضر والانتقال الطاقي، حيث يمكن للمملكة أن تتجاوز دور المورّد للمعادن نحو موقع المنصة الصناعية لتحويل وتجميع مكونات الصناعات المرتبطة بالبطاريات والطاقات المتجددة والتكنولوجيا النظيفة. في هذه الرؤية، تتحول الممرات التعدينية إلى ممرات لإزالة الكربون، تربط بين الموارد الإفريقية والخبرة الصناعية المغربية والأسواق الدولية.

ويبرز التقرير كذلك أهمية البعد الإقليمي، مؤكدًا أن الممرات الأكثر فاعلية هي تلك التي تعبر عدة دول وتخلق ترابطات اقتصادية إيجابية بينها. وبفضل سياستها الإفريقية القائمة على البراغماتية الاقتصادية، تبدو المملكة في موقع يسمح لها بلعب دور محوري في بناء سلاسل قيمة عابرة للحدود على طول الساحل الأطلسي الإفريقي، وهو ما يعزز تموقعها القاري وامتدادها الاقتصادي نحو أوروبا والأمريكيتين في آن واحد.

في المحصلة، توحي قراءة التقرير من زاوية الحالة المغربية بتحول نوعي محتمل في طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به المملكة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بكونها قوة منجمية في قطاع بعينه، بل بقدرتها على التحول إلى «قوة ممرات» توفّق بين الاستخراج والتحويل واللوجستيات والانتقال الطاقي ضمن رؤية استراتيجية متكاملة. وفي عالم تتصاعد فيه المنافسة على الموارد، قد تصبح القدرة على تنظيم الفضاء الاقتصادي وإدارة تدفقات القيمة أكثر حسماً من امتلاك المعادن ذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى