معركة وادي المخازن تحسم من جديد..كيف كسب الملك الحسن الثاني رهان الماء قبل أن تأتي الفيضانات

بشرى عطوشي 

لا يمكن فهم ما جرى في فيضانات القصر الكبير بمعزل عن الذاكرة الطويلة للسياسات المائية في المغرب، تلك الذاكرة التي تشكّلت منذ نهاية ستينيات وبداية سبعينات القرن الماضي عندما اختار المغرب، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، أن يجعل التحكم في الماء خيارًا استراتيجيًا لا يخضع لمنطق الظرفية أو الطوارئ.

فقد تأسست سياسة السدود آنذاك على تصور يعتبر الماء عنصر توازن لا مجرد مورد اقتصادي، وهو تصور أثبت نجاعته في مواجهة مفارقة مناخية لطالما طبعت المغرب، حيث تتجاور سنوات الشح القاسي مع فترات التساقطات الغزيرة والفيضانات المفاجئة.

في حوض اللوكوس، الذي يُعد من أكثر الأحواض غنى بالمياه وأشدها هشاشة في الآن ذاته، تبرز وظيفة سد وادي المخازن كآلية تنظيم لا كمنشأة تقنية صماء. فالسد لم يُشيد فقط لتجميع المياه أو خدمة الفلاحة، بل ليضطلع بدور الضابط الإيقاعي لتدفقات الوادي، بما يسمح بامتصاص الفوائض المطرية وتفريغها بشكل متحكم فيه.

خلال موجة الأمطار الأخيرة، كان لهذا الدور أثر مباشر في كبح تسارع الكتلة المائية المتجهة نحو القصر الكبير، ما حال دون سيناريوهات أكثر حدة كان من شأنها أن تغرق أجزاء واسعة من المدينة في زمن قياسي.

هذا المعطى يوضح أن الفيضانات التي شهدتها المدينة، على قسوتها، جاءت في سياق بنيوي مختلف عما كان سيحدث في غياب هذه البنية المائية. فالتدخل البشري هنا لم يُلغِ الخطر الطبيعي، لكنه أعاد تشكيله ضمن حدود يمكن إدارتها، وهنا تكمن أهمية سياسة السدود باعتبارها سياسة لتقليص المخاطر لا لإلغائها، وهو فارق جوهري في فلسفة التدبير المائي.

من زاوية أخرى، تكشف فيضانات القصر الكبير عن استمرارية غير منقطعة في التفكير الاستراتيجي للدولة المغربية. فبينما أسس الحسن الثاني منطق التحكم في الماء كمدخل للأمن الوطني، جاءت الرؤية التي يقودها الملك محمد السادس لتوسع دائرة هذا الأمن، عبر إدماج البعد الإنساني واللوجيستي في إدارة الكوارث. وهكذا، يلتقي سد وادي المخازن مع منصات المخزون والاحتياطات الأولية في نقطة واحدة، هي منح الدولة زمنًا إضافيًا لاتخاذ القرار، وتوفير شروط تدخل منظم بدل المواجهة الارتجالية.

في حالة القصر الكبير، أتاح امتصاص جزء مهم من مياه الأمطار عبر السد هامشًا ثمينًا للتحرك الميداني، مكن السلطات من تفعيل خطط الإجلاء، ونشر وسائل الإنقاذ، واستنفار القوات المسلحة الملكية ومصالح وزارة الداخلية في إطار متدرج لا فوضوي. هذا التدرج في الأزمة هو نتاج مباشر لتراكم السياسات، وليس وليد الصدفة أو حسن الحظ.

وعليه، فإن ما يظهر اليوم كنجاح نسبي في احتواء آثار الفيضانات ليس نتيجة تدخل واحد أو قرار ظرفي، بل حصيلة مسار طويل بدأ ببناء السدود، وتواصل بتحديث منظومات التدخل، ويستمر اليوم عبر التفكير في الكارثة كاحتمال دائم لا كحدث استثنائي.

فيضانات القصر الكبير، بهذا المعنى، لا تُقرأ فقط كواقعة طبيعية، بل كمرآة تعكس جدوى اختيارات استراتيجية اتخذها المغرب منذ عقود، ولا يزال يجني ثمارها في زمن يتسم بعدم اليقين المناخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى