ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة التنفيذ: ماذا جرى فعلًا في كواليس لقاء مدريد؟

حسين العياشي

في هدوء محسوب وبعيدًا عن الأضواء، شكّل لقاء مدريد محطة مفصلية في مسار ملف الصحراء، ليس بما أُعلن عنه، بل بما جرى تداوله خلف الأبواب المغلقة. فالصمت الذي أعقب الاجتماع لم يكن فراغًا دبلوماسيًا، بقدر ما عكس انتقال الملف إلى مرحلة أكثر حساسية، حيث تُدار التفاصيل بدل تبادل المواقف، وتُناقش آليات التنفيذ بدل إعادة تدوير الشعارات.

الاجتماع، الذي انعقد الأحد الماضي في العاصمة الإسبانية لتفعيل مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، انتهى دون أي بلاغ رسمي من الأطراف المعنية. لا الرباط، ولا الجزائر، ولا جبهة البوليساريو خرجت بتصريح. خيارٌ بدا مقصودًا، وقرأه متابعون على أنه ترجمة لنهج أمريكي جديد يفضّل الفعالية العملية على الضجيج الإعلامي، ويؤسس لمرحلة تُدار فيها التسويات بهدوء شديد.

بحسب معطيات متقاطعة، فرضت واشنطن خلال اللقاء إطارًا عمليًا صارمًا، هدفه نقل الملف من دائرة الجدل السياسي إلى حيز التنفيذ الملموس. ووفق هذا المنطق، جرى الاتفاق على أن يصدر أي إعلان رسمي لاحق من العاصمة الأمريكية، باعتبارها الجهة الراعية والمخولة بتثبيت خلاصات الاجتماع، في رسالة واضحة عن مركز الثقل الجديد في إدارة هذا النزاع.

الولايات المتحدة كانت حاضرة بثقلها السياسي والدبلوماسي. فإلى جانب وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، شارك نظراؤه الجزائري والموريتاني، إلى جانب ممثل عن جبهة البوليساريو، تحت إشراف مباشر من مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، وبحضور المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز. تشكيلة تعكس، في حد ذاتها، رغبة أمريكية في جمع أطراف ظلت لسنوات عاجزة عن الجلوس إلى طاولة واحدة بصيغة عملية.

اللقاء يندرج في سياق استمرارية قرار مجلس الأمن الأخير، الذي دعا صراحة إلى إحياء المسار السياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية. الجديد، وفق ما رشح من كواليس مدريد، أن الأطراف قبلت لأول مرة الخوض في الجوانب التطبيقية للمبادرة، بدل الاكتفاء بمناقشة مشروعيتها أو مبدئها.

الصمت الذي طبع ما بعد الاجتماع لا يُعد، في نظر عدد من المراقبين، مؤشرًا سلبيًا. بل على العكس، يعكس حساسية مرحلة تمهيدية تتطلب قدرًا عاليًا من التكتم، يتيح توسيع هامش التفاوض بعيدًا عن الضغوط الداخلية والحسابات الإعلامية. في هذا المناخ، جرى التطرق إلى جوهر المقترح المغربي، لا إلى صورته السياسية.

مصادر جزائرية تحدثت عن تقديم المغرب وثيقة عمل مفصلة، تقارب أربعين صفحة، تتضمن صيغة محدثة لمبادرة الحكم الذاتي. وثيقة قيل إنها ثمرة مشاورات داخلية موسعة، شملت أحزابًا سياسية ومؤسسات وطنية، وأُعدت في سرية تامة، بما يعكس استعداد الرباط للانتقال من مرحلة الدفاع عن المبادرة إلى مرحلة بلورتها التنفيذية.

مشاركة الجزائر والبوليساريو وموريتانيا في هذا النقاش، وفق محللين، تحمل دلالة سياسية عميقة، إذ تعكس اعترافًا ضمنيًا بأن الحكم الذاتي بات الإطار الوحيد المطروح على الطاولة، انسجامًا مع القرار الأممي الأخير. الخيارات البديلة، التي طالما شغلت النقاش لعقود، لم تعد حاضرة في هذا المسار الجديد.

لقاء مدريد، بهذا المعنى، لا يحسم النزاع، لكنه يعيد رسم قواعده. فالنقاش لم يعد يدور حول “هل” الحكم الذاتي مقبول، بل حول “كيف” سيتم تنزيله. انتقال نوعي بعد سنوات طويلة من الجمود والمراوحة.

تسريبات وُصفت بالموثوقة تحدثت عن ثلاث نتائج أساسية. أولها اعتماد الوثيقة المغربية المحدثة كمرجعية تقنية وحيدة للنقاش. ثانيها توافق مبدئي على إحداث لجنة تقنية دائمة تضم خبراء من المغرب والجزائر وموريتانيا، تحت إشراف أمريكي وأممي. أما الثالثة، فتتمثل في رسم معالم خارطة طريق لعقد اجتماع لاحق في واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق-إطار ذي طابع سياسي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لم تخلُ المباحثات من نقاط توتر. فقد حرصت الجزائر على رفض أي صورة جماعية، تفاديًا لإرسال إشارات سياسية مباشرة للرأي العام. كما استمر الخلاف حول مفهوم “تقرير المصير”، إذ تصر الرباط على ربطه بالحكم الذاتي، بينما تحاول الجزائر الإبقاء على تأويله التقليدي، ولو شكليًا.

في هذا السياق الجديد، يبدو أن المغرب يدخل المرحلة المقبلة بأفضلية دبلوماسية واضحة، بعدما نجح في فرض مبادرته كمرجعية وحيدة للنقاش. في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة موقعها كوسيط حاسم، قادر على تحريك ملف ظل لسنوات رهين الاستقطاب والتجاذب.

مدريد لم تكن نهاية الطريق، لكنها أعادت رسم مساره. ومن دون ضجيج، فتحت نافذة واقعية نحو تسوية تفاوضية طال انتظارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى