مليون كيس سنويًا.. القهوة تفرض نفسها كعادة حضرية راسخة في المغرب

حسين العياشي
تُظهر أحدث التقديرات الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية أن السوق المغربية للقهوة تواصل ترسيخ موقعها كوجهة استهلاكية آخذة في الاستقرار داخل مشهد عالمي يتسم بوفرة إنتاج غير مسبوقة، وتوازنات هشة، وضغط متواصل على المخزونات. تقرير «القهوة: الأسواق والتجارة العالمية»، الذي صادق عليه مجلس التوقعات الزراعية العالمية في دجنبر، يرسم صورة دقيقة لحركة الإنتاج والتبادل والاستهلاك على الصعيد الدولي، ويضع المغرب ضمن دائرة الأسواق غير المنتِجة التي بات طلبها يشكل عنصر دعم أساسي لتدفقات القهوة العالمية.
وبحسب التقرير، يُرتقب أن يبلغ الاستهلاك الداخلي للمغرب خلال موسم 2025-2026 نحو 1,06 مليون كيس، زنة كل واحد 60 كيلوغرامًا، مقابل حوالي 1,07 مليون كيس في الموسم السابق. ورغم هذا التراجع الطفيف، يؤكد معدّو التقرير، بصيغة حذرة، أن الاستهلاك المغربي يسير منذ سنوات في منحنى تصاعدي قبل أن يستقر حول عتبة المليون كيس، بما يعكس رسوخ القهوة في العادات الغذائية الحضرية وتحولها إلى منتج يومي داخل فئات واسعة من المجتمع. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كأحد الأسواق غير المنتِجة التي يساهم طلبها المنتظم في الحفاظ على حيوية التجارة الدولية للقهوة.
أما الواردات المغربية، بمختلف أشكالها، فيُقدّر حجمها بنحو مليوني كيس مكافئ من القهوة الخضراء، وهو مستوى ينسجم مع بنية السوق المحلية ومع تنامي حضور المقاهي، والفضاءات المتخصصة، وقنوات التوزيع الحديثة. ويشير التقرير إلى أن بلدان شمال إفريقيا، وعلى رأسها المغرب، تُظهر أنماط استهلاك تتأثر بتقلبات الأسعار، لكنها تحافظ على استقرار نسبي في حجم الطلب، إذ يتم التكيف أساسًا عبر اختيار الجودة والأصول الجغرافية للقهوة المستوردة أكثر مما يتم عبر تقليص الكميات الإجمالية.
هذا الطلب المغربي يندرج ضمن محيط إقليمي أوسع، تسجل فيه الجزائر استهلاكًا يناهز 2,05 مليون كيس، بينما يقترب استهلاك مصر من مليون كيس، ما يعكس الوزن المتنامي لشمال إفريقيا على خريطة كبار مستوردي القهوة عالميًا. ويرى محللو وزارة الزراعة الأمريكية أن توسع هذه الأسواق يستند بالأساس إلى عوامل ديموغرافية وتحولات حضرية عميقة، أكثر من كونه نتيجة ظرفية لتقلبات آنية، وهو ما يمنح الطلب طابعًا من الاستمرارية حتى في فترات الضغط السعري.
ويؤكد التقرير أن السوق المغربية تظل، بحكم غياب إنتاج وطني يُذكر، سوقًا استيرادية بامتياز. وتتركز الواردات أساسًا على القهوة الخضراء الموجهة للتحميص المحلي، مع حضور مكمل للقهوة سريعة الذوبان وكميات محدودة من القهوة المحمصة. ويظل المغرب مرتبطًا بشكل وثيق بأهم بلدان التصدير، وعلى رأسها البرازيل وفيتنام، مع تزايد لافت لحصة بعض بلدان شرق إفريقيا، في سياق تنويع تدريجي لمصادر التوريد دون أن يتحول ذلك إلى خيار استراتيجي معلن.
غير أن هذا الاعتماد الخارجي يتقاطع مع سياق دولي يتسم بارتفاع حاد في الأسعار. فقد سجلت فاتورة الاستيراد ارتفاعًا ملموسًا بفعل القفزة الكبيرة في المؤشر المركب الشهري لمنظمة القهوة الدولية، الذي تضاعف تقريبًا خلال بضع سنوات. هذا التطور فرض ضغوطًا مباشرة على هوامش أرباح المحمصين والموزعين، قبل أن يُنقل جزء منها إلى أسعار البيع بالتقسيط، ما يجعل المستهلك النهائي أكثر حساسية لتقلبات السوق العالمية.
وفي ما يتعلق بالمخزونات، يلاحظ التقرير أن مستويات نهاية الموسم لدى الدول المستوردة تبقى محدودة نسبيًا. إذ يُتوقع أن تنخفض المخزونات العالمية إلى نحو 20,1 مليون كيس، مسجلة بذلك السنة الخامسة على التوالي من التراجع، وهو ما يقلص هامش المناورة أمام الصدمات المناخية أو الاضطرابات اللوجستية. وفي هذا الإطار، تظل أسواق مثل المغرب عرضة لتقلبات العرض العالمي، في ظل محدودية القدرة على امتصاص الصدمات.
وعلى المستوى الدولي، يحافظ الاتحاد الأوروبي على موقعه كأكبر مستورد للقهوة في العالم، بحجم متوقع يبلغ 47 مليون كيس خلال موسم 2025-2026، متقدمًا على الولايات المتحدة التي يُرتقب أن تستورد 26,5 مليون كيس. ويظل الطلب الأوروبي المحرك الرئيسي لتجارة القهوة الخضراء، خاصة أصناف الروبوستا، في حين تشكل السوق الأمريكية وجهة أساسية لأصناف الأرابيكا.
وفي ما يخص الإنتاج العالمي، يتوقع التقرير أن يبلغ مستوى قياسيًا قدره 178,8 مليون كيس خلال موسم 2025-2026، بزيادة 3,5 ملايين كيس مقارنة بالموسم السابق. ويعزى هذا الارتفاع إلى تعافي إنتاج فيتنام، وتحقيق محاصيل غير مسبوقة في كل من إندونيسيا وإثيوبيا، ما عوض التراجع المسجل في البرازيل وكولومبيا. فالبرازيل، أكبر منتج عالمي، يُنتظر أن تنخفض محاصيلها إلى 63 مليون كيس بفعل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة في مناطق زراعة الأرابيكا، رغم تحسن إنتاج الروبوستا. أما فيتنام، ثاني منتج عالمي، فتواصل صعودها إلى 30,8 ملايين كيس، مدفوعة بظروف مناخية مواتية وارتفاع استخدام المدخلات الزراعية بفضل الأسعار المرتفعة.
وتسجل إندونيسيا بدورها واحدة من أبرز القفزات الإنتاجية، مع توقع بلوغ إنتاجها 12,45 مليون كيس، بينما تحقق إثيوبيا رقمًا قياسيًا جديدًا عند 11,56 مليون كيس، نتيجة اعتماد أصناف عالية المردودية وتحسين إدارة المزارع. في المقابل، تعرف كولومبيا تراجعًا في الإنتاج إلى 13,8 مليون كيس بسبب الأمطار الغزيرة والغطاء السحابي الطويل، رغم الجهود المبذولة للحد من الأمراض الزراعية.
على صعيد المبادلات، يُتوقع أن ترتفع صادرات القهوة الخضراء عالميًا إلى 123,8 مليون كيس، مدفوعة أساسًا بزيادات في فيتنام وإندونيسيا وهندوراس، في حين تصل الاستهلاكات العالمية إلى مستوى غير مسبوق قدره 173,9 مليون كيس. هذا التلاقي بين طلب متنامٍ ومخزونات متراجعة يفسر استمرار التوتر في الأسعار، ويجعل الأسواق المستوردة، ومنها المغرب، في حالة ترقب دائم لتطورات المناخ والإنتاج وسلاسة سلاسل الإمداد.
ويخلص تقرير وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن آفاق السوق على المدى القريب ستظل رهينة بالظروف المناخية في مناطق الإنتاج الكبرى وبقدرة سلاسل التوريد على استيعاب أحجام متزايدة من المبادلات. وبالنسبة للمغرب، كما لبقية الدول غير المنتِجة، فإن استقرار التزويد يظل مرتبطًا بهذه العوامل العالمية، في سوق قهوة باتت تتسم بوفرة في الكميات، لكن بهوامش أمان محدودة وتقلبات سعرية حادة.





