من أمطار نافعة إلى أمطار تستدعي مزيدا من الحذر

بشرى عطوشي
بعد سنوات من الجفاف الشديد، يشهد المغرب هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة، مما أنعش الزراعة وعزز آفاق النمو. إلا أن كثافة الأمطار وتركيزها يحولان هذه المياه التي طال انتظارها إلى عامل خطر.
عادت الأمطار لتصبح عاملاً اقتصادياً هاماً. فبعد ما يقرب من سبع سنوات من الجفاف، تُغير الأمطار المسجلة منذ نهاية عام 2025 مسار الزراعة.
في بداية فبراير، بلغ متوسط هطول الأمطار التراكمي حوالي 360 ملم، بزيادة قدرها 54% مقارنة بمتوسط الثلاثين عاماً الماضية، و215% مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق.
أما بالنسبة للموسم الهيدرولوجي الذي بدأ في سبتمبر 2025، فقد بلغ إجمالي هطول الأمطار التراكمي 145.5 ملم، بزيادة قدرها 32.5% مقارنة بالمتوسط السنوي، مع تركيز استثنائي للأمطار خلال فترة قصيرة.
بلغت كمية الأمطار 8.73 مليار متر مكعب، سقط 95 في المائة منها في أقل من شهرين، مما رفع سعة تخزين السدود إلى 10.8 مليار متر مكعب، ووصلت نسبة امتلاء السدود إلى ما يقارب 65 في المائة، مقارنةً بأقل من 30 في المائة في العام السابق. بعض الخزانات ممتلئة، بينما يقترب البعض الآخر من طاقته الاستيعابية القصوى.
في بلدٍ لا تزال فيه الزراعة المحرك الرئيسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي، تُعدّ هذه الأمطار دفعةً اقتصاديةً مُرحّبة. تستفيد الحبوب والمحاصيل الخريفية والمراعي والثروة الحيوانية بشكل مباشر من هذه المياه التي طال انتظارها. على المدى القصير، كان الأثر إيجابيًا بشكل واضح على دخل سكان الريف، والعمالة الموسمية، والطلب المحلي.
لكن هذه الأمطار غزيرةٌ جدًا، تهطل بسرعة، وأحيانًا في أسوأ الأوقات. ما يدعم النمو على المستوى الوطني قد يتحول إلى مُدمّر على المستوى المحلي. لم تعد التربة المُشبعة قادرةً على امتصاص الماء، وتسارع جريان المياه السطحية، وفاضت الأودية، وأصبح الفيضان مصدر قلق بالغ.
السدود، المُصممة لتنظيم مستويات المياه، تتعرض لضغوط كبيرة وتحتاج إلى تصريف وقائي. يتحول الماء الصالح للاستخدام إلى ماء ملوث، مما يهدد المحاصيل والبنية التحتية والسكان.
التكاليف الاقتصادية
بدأت التداعيات تظهر بالفعل. فقد تم إجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص في الشمال لتجنب وقوع مآسٍ إنسانية. وأُخليت مدن مثل قصر الكبير جزئيًا، مما أدى إلى تعطيل الأنشطة المحلية والتنظيم الاجتماعي.
تُغلق المدارس، ويتم نقل الطلاب أو تحويلهم إلى التعليم عن بُعد، مما يُعطّل استمرارية الحياة اليومية. هذه تكاليف اقتصادية غير مباشرة، نادرًا ما تُقاس كميًا، لكنها حقيقية للغاية.
لم يسلم القطاع الفلاحي، المستفيد الرئيسي من الأمطار، من هذه الأمطار الاستثنائية. ففي حوض نهر لوكوس، تواجه بعض القطاعات ذات القيمة العالية، وخاصة الفواكه اللينة، أضرارًا جسيمة، حيث غمرت المياه العديد من الأراضي.
ما كان يُتوقع أن يُحسّن المحاصيل، قد يُؤدي في بعض المناطق إلى انخفاض الإنتاج وزيادة التكاليف، وتمتد آثار هذه الأمطار غير المسبوقة إلى ما هو أبعد من المناطق الريفية.
تُؤدي الاضطرابات الجوية إلى تباطؤ حركة الموانئ وتؤثر على إمدادات الوقود في بعض المناطق. وحتى عندما تكون المخزونات كافية، فإن التأخيرات اللوجستية تُسبب توترات وتُبرز هشاشة سلاسل الإمداد في مواجهة الصدمات المناخية.
كل هذا يُظهر أن المغرب لا يزال يعتمد على تقلبات الطقس، ليس فقط في فترات شحّ المياه، بل أيضاً في فترات غزارة الأمطار.
لذا، تُمثل الأمطار الحالية فرصةً وتحذيراً في آنٍ واحد. فهي قادرة على دعم النمو في عام 2026، ولكنها تستدعي أيضاً إعادة النظر بعمق في إدارة مخاطر المناخ. فليس كافياً تخزين المياه فحسب، بل من الضروري أيضاً إدارة تقلباتها، وحماية المناطق المعرضة للخطر، ودعم القطاعات المتضررة.
من الواضح، في هذا السياق تحديداً، أن استجابة السلطات كانت متناسبة مع حجم التحدي. على الأقل في الوقت الراهن.
تُظهر عمليات الإجلاء الوقائية، وزيادة مراقبة السدود، والتنسيق الوثيق بين مختلف الإدارات، وتعبئة قوات الأمن وخدمات الطوارئ، والدعم التوعوي المستمر، نهجًا إداريًا قائمًا على الاستباق وحماية المواطنين.
أبرزت الأمطار الغزيرة هشاشة المنطقة، لكنها أكدت أيضًا قدرة الدولة على التحرك السريع لإنقاذ الأرواح، والحد من الأضرار، والحفاظ على الخدمات الأساسية.
في ظل مناخ متقلب بشكل متزايد، تتزايد فيه الظواهر الجوية المتطرفة، لم يعد هذا التحرك استجابة استثنائية، بل أصبح إجراءً روتينيًا لمواجهة الصدمات المناخية والحد من آثارها.





