من الشاطو إلى العمود… حين يُعلّق المواطن المغربي بين الصمت والخذلان

اشرف بلمودن

في مشهدٍ يهزّ القلب والعقل، صعد رجلٌ مغربي عموداً كهربائياً شاهقاً، مخاطراً بحياته، لا لطلب امتياز، بل بحثاً عن الحقيقة في وفاة ابنه الغامضة. لم يكن مجرد احتجاج، بل فعلٌ يائس نابع من أعماق الألم والخذلان، بعد أن أغلقت في وجهه الأبواب، وغابت عنه لغة الدولة ومؤسساتها.

هذا المشهد لا يمكن عزله عن فاجعة “شاطو أولاد يوسف” نواحي بني ملال، التي اختزلت نفس المأساة: صدمة، موت، لا أحد يشرح، ولا مسؤول يتواصل. مرة أخرى، يغيب التوضيح، وتتوارى السلطة، ويُترك المواطن وحيداً، يصرخ في صمت.

في الحالتين، لا نتحدث عن أحداث معزولة، بل عن ظاهرة متنامية: حين يصبح الاحتجاج مخاطرة بالحياة، فإننا لا نواجه مجرد خلل إداري، بل أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة. أين هي قنوات التواصل؟ من يُنصت؟ من يشرح؟ من يملك الجرأة على الخروج للناس وتحمّل المسؤولية؟

أن يختار مواطن أن يصعد إلى عمود كهربائي أو أن ينام بجوار جثة قريبه في مكان مهجور، فذلك يعني أن شيئاً ما قد انكسر في علاقة الناس بمؤسساتهم. إنها ليست فقط لحظة غضب، بل لحظة إعلان عن فقدان الأمل، وانهيار الإيمان بالعدل والإنصاف.

المسؤولية هنا لا تقف عند رجال السلطة المحلية أو الإدارات، بل تتعداها إلى السياسات العامة التي لم تنجح بعد في ترسيخ ثقافة الإنصات والتفاعل الفوري مع هموم الناس. هل نحتاج دائمًا إلى الكارثة حتى نتحرك؟ إلى الدمعة حتى نُصدّق؟ إلى الجثة حتى نفتح التحقيق؟

هذا الوطن لا يجب أن يكون مقبرة للأمل، ولا ساحةً للاحتجاجات الانتحارية. نريد مغرباً يحتضن أبناءه، يفتح لهم مؤسساته، ويُشعرهم أن صوتهم مسموع، وحقوقهم مصونة، وعدالتهم ممكنة.

ما نحتاجه ليس فقط تعازي رسمية بعد كل فاجعة، بل إجراءات واضحة، مساءلة فورية، وإرادة سياسية جادة تعيد بناء الجسور المقطوعة بين الناس والدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى