من خطاب الهداية إلى خطاب الإدانة: أزمة الفهم النفسي لدى رجل الدين بالمغرب

فؤاد يعقوبي مختص في علم النفس الإجتماعي في السياق المغربي

يحتل رجل الدين في المجتمع المغربي موقعا رمزيا مركزيا، لا باعتباره فاعلا دينيا فحسب، بل بوصفه عنصرا مؤثرا في تشكيل الوعي الجمعي والتمثلات الاجتماعية المرتبطة بالخير والشر، المسموح والممنوع، والخلاص والعقاب.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن الخطاب الديني لا يقرأ فقط من زاوية محتواه العقدي أو الفقهي، بل من خلال وظائفه النفسية الاجتماعية، وآثاره على الصحة النفسية للأفراد وعلى أنماط الضبط الاجتماعي داخل المجتمع.

فرجل الدين يستمد سلطته أساسا من ارتباطه بالمقدس، وهي سلطة رمزية قوية تمنحه شرعية التأثير في السلوك والوجدان دون المرور عبر المؤسسات التربوية أو العلمية أو الصحية.

هذه السلطة، حين تمارَس دون وعي نفسي، تتحول من وظيفة إرشاد إلى آلية توجيه قسري للضمير الجمعي، حيث يصبح الخطاب الديني أداة لإنتاج الطاعة بدل بناء الوعي. في هذا السياق، يُلاحظ أن جزءا معتبرا من الخطاب الديني المتداول في الفضاء العمومي المغربي يقوم على منطق التخويف والوعيد، مع تركيز مكثف على العقاب الأخروي، وتضخيم ثنائية الحلال والحرام بمعزل عن السياقات النفسية الاجتماعية للأفراد.

وبالتالي فهذا الخطاب يفهم باعتباره شكلا من أشكال الضبط الاجتماعي القائم على الخوف. فالأبحاث النفسية تؤكد أن الخوف يعد من أسرع الانفعالات في إنتاج الامتثال السلوكي، خاصة داخل المجتمعات التي تعاني من هشاشة اقتصادية، وضعف في شبكات الحماية الاجتماعية، وتآكل الثقة في المؤسسات. في مثل هذه السياقات، يتحول الخطاب الديني إلى ملاذ نفسي، لكنه ملاذ مشروط بالطاعة، حيث يُستبدل الأمان الواقعي بأمان أخروي قائم على التهديد المستمر.

غير أن خطورة هذا النمط من الخطاب لا تكمن فقط في محتواه، بل في الخلفية المعرفية والنفسية لمنتِجه. فغالبية رجال الدين لم يتلقوا تكوينا في علم النفس أو الصحة النفسية أو التواصل العلاجي، وهو ما يجعلهم يتعاملون مع المعاناة الإنسانية من زاوية أخلاقية معيارية، تُختزل فيها الاضطرابات النفسية في ضعف الإيمان أو قلة الصبر أو البعد عن الله. وهذا الاختزال يُعد تبسيطا مخلا وخطيرا، لأنه ينفي البعد النفسي للألم، ويُحمل الفرد مسؤولية معاناته بدل مساعدته على فهمها ومعالجتها.

ويتجلى هذا الخلل بشكل واضح في تعامل الخطاب الديني مع المرض النفسي، حيث يتم غالبا إنكار طبيعته العلمية، وربطه بتفسيرات غيبية أو أخلاقية، مما يعزز الوصم الاجتماعي ويمنع الأفراد من طلب المساعدة المتخصصة. وتُظهر الدراسات في علم النفس الاجتماعي أن الوصم المرتبط بالمرض النفسي يُعد من أبرز العوامل المعيقة للعلاج، وأن الخطابات التي تُؤطر الاكتئاب والقلق والتفكير الانتحاري ضمن ثنائية الإيمان والكفر، تسهم في تعميق الشعور بالذنب والعار، وقد ترفع من مخاطر الانعزال والانهيار النفسي.

ورغم هذه الآثار السلبية، يلقى هذا الخطاب قبولا اجتماعيا نسبيا، وهو ما يمكن تفسيره من خلال البنية النفسية-الثقافية للمجتمع المغربي، التي ما تزال تتسم بحضور قوي للثقافة السلطوية، حيث يُنظر إلى الخطاب العمودي باعتباره أكثر شرعية من الحوار الأفقي.

كما أن الخوف من النبذ الاجتماعي يجعل الكثيرين يتجنبون مساءلة الخطاب الديني، لما يحمله من قداسة تمنحه حصانة رمزية تحول دون نقده. إضافة إلى ذلك، تلعب الحاجة إلى المعنى دورا حاسما في زمن الأزمات، إذ يفضل الأفراد أحيانا خطابا قاسيا يمنحهم تفسيرا جاهزا للمعاناة، على خطاب علمي يتطلب جهدا معرفيا ومواجهة مؤلمة للواقع.

إن نقد الخطاب الديني من منظور نفسي اجتماعي لا يعني بأي حال الدعوة إلى إقصاء الدين من المجال العمومي، بل يهدف إلى إعادة الاعتبار لوظيفته الإنسانية. فالدين، حين يُؤطر بخطاب واع نفسيا، يمكن أن يشكل عامل حماية ودعم نفسي، لا مصدر ضغط أو تهديد. ويتطلب ذلك إدماج مقاربات علم النفس في تكوين رجال الدين، وتمكينهم من أدوات الفهم النفسي للمعاناة، والانتقال من خطاب الإدانة إلى خطاب المرافقة، ومن منطق التخويف إلى بناء المعنى والمسؤولية.

اليوم الرهان الحقيقي لا يكمن في صراع بين الدين والعلم، بل في قدرة الخطاب الديني على التحرر من آليات الضبط القائمة على الخوف، والانخراط في مشروع إنساني يُعيد للإنسان قيمته وكرامته النفسية. فحين ينفصل الخطاب الديني عن المعرفة النفسية، يفقد بعده العلاجي والروحي، ويتحول من رسالة طمأنينة إلى عبء نفسي، ومن سند أخلاقي إلى عامل ضغط يعمق الجراح بدل أن يضمدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى