من “قفة جود” إلى “بونات جود”: نفس اللعبة.. بهندسة انتخابية أكثر ذكاءً

حسين العياشي

لم تكن “قفف جود الرمضانية” حدثًا عابرًا في الذاكرة السياسية المغربية، بل تحولت إلى علامة فارقة في النقاش العمومي حول حدود العمل الخيري حين يتقاطع مع الاستحقاقات الانتخابية. ورغم ما أثارته تلك القفف من جدل واسع قبيل الانتخابات الماضية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الفكرة لم تُطوَ، بل أعيد إخراجها في صيغة أكثر حذرًا وأقل صخبًا. القفة نفسها، ولكن بقناع جديد، “بونات” شراء تحمل أسماء متاجر كبرى، وتبدو في ظاهرها مبادرة اجتماعية صرفة، فيما سياقها الزمني والسياسي يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.

بحسب ما أفادت به مصادر حزبية لـ“إعلام تيفي”، فإن توزيع هذه القسائم لم يكن معزولًا عن استعدادات انتخابية مبكرة في عدد من الدوائر الكبرى. العملية، كما تورد المصادر، تستهدف بالأساس قاطني الأحياء الشعبية، وتُقدَّم في صيغة دعم اجتماعي موسمي، خصوصًا مع حلول شهر رمضان حيث تشتد الحاجة وتتعاظم كلفة المعيشة. غير أن اللافت، وفق المعطيات ذاتها، أن الاستفادة من هذه “البونات” مشروطة بتقديم نسخة من البطاقة الوطنية للتعريف، يُدوَّن عليها رقم الهاتف، ما يحول الإحسان الظاهري إلى قاعدة بيانات انتخابية محتملة.

هنا، يعود إلى الأذهان ما رافق التجربة السابقة التي ارتبطت بصعود حزب التجمع الوطني للأحرار إلى رئاسة الحكومة، حين اتُّهمت مبادرات اجتماعية موازية بتوظيف العمل التضامني في استمالة الناخبين. آنذاك، أصدرت أحزاب معارضة بلاغًا مشتركًا حذّرت فيه من “التوظيف السياسوي للعمل الخيري”، واعتبرت أن استغلال المعطيات الشخصية للمواطنين لأغراض انتخابية يمثل انزلاقًا خطيرًا يمس مبدأ تكافؤ الفرص. اليوم، يبدو أن الآلية نفسها تُستعاد، ولكن بأدوات أكثر تنظيمًا وأقل قابلية لإثارة الضجيج الإعلامي.

مصادر “إعلام تيفي” تؤكد أن الحزب صاحب المبادرة يعمد، قبيل أيام قليلة من موعد الاقتراع، إلى الاتصال بكل من سبق أن استفادوا من قفة أو حقيبة أو أي دعم اجتماعي قُدّم عبر واجهاته أو أذرعه الموازية. الاتصال لا يكون اعتباطيًا، بل يحمل رسالة واضحة: التذكير بالتصويت على “رمز الحمامة” ضمانًا لاستمرار الاستفادة. ووفق المعطيات ذاتها، فقد جرى خلال فترة الحملة الانتخابية السابقة تعبئة خلية تواصل تضم عددًا من المناضلين، زُوّدوا بهواتف مشحونة باشتراكات خاصة، مهمتها التواصل المباشر مع المستفيدين، ليس فقط قبل الاقتراع، بل حتى في يوم التصويت نفسه.

بهذا المعنى، لا تبدو “البونات” مجرد دعم اجتماعي، بل حلقة أولى في سلسلة متكاملة تبدأ بالمساعدة وتنتهي بمحاولة توجيه السلوك الانتخابي. الفارق الوحيد عن التجربة السابقة هو الشكل، اختفى مشهد القفة التي تُلتقط لها الصور وتُتداول على نطاق واسع، وحلّت محلها قسيمة أنيقة تمر عبر صناديق الأداء في المتاجر الكبرى، أقل إثارة للريبة، وأكثر قدرة على التخفي خلف واجهة تجارية.

الإشكال هنا، وفق ما أفادت به المصادر، لا يرتبط فقط بأخلاقيات المنافسة السياسية، بل بطبيعة العلاقة بين الفاعل الحزبي والمواطن في سياق هش اجتماعيًا. حين تصبح المساعدة مقرونة ضمنيًا بشرط الولاء الانتخابي، يتحول الحق في الاختيار الحر إلى امتداد لالتزام غير معلن. كما أن جمع نسخ بطاقات التعريف وأرقام الهواتف يفتح باب التساؤل حول حماية المعطيات الشخصية وحدود استعمالها، في ظل سياق يفترض فيه أن تكون العملية الانتخابية محكومة بقواعد صارمة تكفل المساواة والشفافية.

في النهاية، قد يتغير الغلاف، وتتبدل الأدوات، لكن السؤال الجوهري يبقى معلقًا، هل يمكن للديمقراطية أن تنمو في تربة تختلط فيها الحاجة الاجتماعية بالحساب الانتخابي؟ أم أن استمرار هذه الممارسات، مهما بدت “ناعمة”، يعمّق منسوب الشك في نزاهة المسار برمته، ويحول لحظة الاختيار الحر إلى استجابة لضغط رمزي صامت، يتجدد مع كل موسم انتخابي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى