موسم فلاحي واعد يعيد الأمل بعد سنوات الجفاف

حسين العياشي
تتجه ملامح الموسم الفلاحي 2025-2026 نحو منحى مختلف تمامًا عمّا عرفته السنوات الأخيرة، بعد أن عادت التساقطات المطرية بقوة، منهية سبع سنوات متتالية من الجفاف وأعادت الأمل إلى العالم القروي. فمنذ أكتوبر الماضي، تواصلت الأمطار بوتيرة لافتة وتجاوزت معدلاتها الاعتيادية في عدد من المناطق، ما انعكس مباشرة على وتيرة الأنشطة الزراعية، ودفع الفلاحين إلى توسيع المساحات المزروعة وتعزيز رهاناتهم على موسم واعد.
هذا التحسن المناخي لم يمر دون أثر؛ فقد سجلت المساحات المزروعة إلى حدود الآن أكثر من 4.3 ملايين هكتار، مع توقعات بتجاوز عتبة 5 ملايين هكتار مع استمرار الزرع المتأخر وانطلاق الزراعات الربيعية. في القرى والبوادي يسود شعور واضح بالتفاؤل، حيث يأمل الفلاحون في تحقيق محاصيل وفيرة تعوض خسائر السنوات القاسية الماضية وتعيد التوازن إلى الدورة الاقتصادية المرتبطة بالفلاحة.
التحول الإيجابي طال أيضًا قطاع تربية الماشية، الذي كان من أكثر القطاعات تضررًا من الجفاف. فقد أدى انتعاش المراعي الطبيعية إلى تقليص كبير في كلفة الأعلاف، ما خفف الضغط عن مربي الماشية وأنعش سيولتهم المالية. كما أن الاعتماد على التغذية الطبيعية يعزز صحة القطيع ونموه ويضمن استدامة أفضل لعمليات التربية والتجديد.
بصورة عامة، تبدو مؤشرات الموسم الفلاحي مشجعة في مختلف الجهات، حيث استفادت أغلب المناطق الزراعية من واردات مائية تفوق المعدلات المعتادة. غير أن هذه الصورة الإيجابية لا تخلو من استثناءات، إذ تبقى منطقة الغرب من أكثر المناطق هشاشة بفعل الفيضانات والرياح القوية التي ضربت سهل اللوكوس وتسببت في أضرار معتبرة، خاصة في الزراعات المغطاة. وقد تضررت محاصيل عدة، من بينها الفواكه الحمراء والخضروات المبكرة والشمندر السكري والأفوكادو، بينما لا تزال الخسائر النهائية في طور التقييم في انتظار معطيات رسمية من وزارة الفلاحة.
وفي هذا السياق، يظل التعويض الممكن للفلاحين المتضررين رهينًا بمدى انخراطهم في نظام التأمين متعدد المخاطر المناخية، حيث يُرتقب أن يستفيد المشتركون من التعويض وفق المساطر المعمول بها، ما قد يحد من آثار الخسائر ويعيد جزءًا من الاستقرار إلى استثماراتهم.
على صعيد آخر، حملت التساقطات الغزيرة أثرًا بالغ الأهمية على مستوى الموارد المائية، إذ ارتفعت مخزونات السدود بشكل ملحوظ لتناهز، إلى حدود 9 فبراير 2026، حوالي 11 مليار متر مكعب، بنسبة ملء تقارب 66% على الصعيد الوطني. وتشير التوقعات إلى إمكانية تحسن هذه المؤشرات خلال الأسابيع المقبلة مع استمرار الاضطرابات الجوية وتساقط الأمطار، فضلًا عن مساهمة ذوبان الثلوج في رفع صبيب الأودية.
وتُظهر المعطيات تفاوتًا بين الأحواض المائية؛ فحوض اللوكوس، الذي كان وراء فيضانات الغرب، سجل احتياطيًا يقارب 1.7 مليار متر مكعب بنسبة ملء تناهز 90%، فيما بلغ مخزون حوض سبو نحو 4.76 مليارات متر مكعب بنسبة 85.5%. كما تجاوز حوض أبي رقراق مليار متر مكعب بنسبة تفوق 92%، وسجل حوض تانسيفت حوالي 187 مليون متر مكعب بنسبة 82.2%، بينما بلغ مخزون حوض سوس نحو 394 مليون متر مكعب بنسبة تقارب 54%.
في المقابل، ما تزال بعض الأحواض تعاني خصاصًا مائيًا نسبيًا، على رأسها حوض أم الربيع الذي لم يتجاوز مخزونه 1.93 مليار متر مكعب بنسبة ملء في حدود 39%، إضافة إلى حوض درعة وادي نون الذي يناهز احتياطه 343 مليون متر مكعب بنسبة تقارب 33%.
بين مؤشرات الانتعاش وتحديات الفيضانات، يتشكل موسم فلاحي استثنائي بكل المقاييس، يفتح نافذة أمل أمام الفلاحين ويعيد الاعتبار للدور الحيوي للأمطار في دورة الاقتصاد القروي، لكنه في الوقت ذاته يذكر بهشاشة التوازنات المناخية وضرورة تعزيز أدوات المواكبة والتأمين والتخطيط لمواجهة التقلبات المستقبلية.





