نمو متسارع ومخاطر قائمة: قراءة في مسار الاقتصاد المغربي (تقرير)

حسين العياشي
في تقرير حديث خصّصه للاقتصاد المغربي، قدّم مركز الأبحاث التابع لمجموعة «كايسا بنك» الإسبانية قراءة تحليلية لمسار الاقتصاد الوطني، مبرزاً العوامل التي مكّنته من تحقيق أداء إيجابي خلال السنوات الأخيرة، رغم التقلبات الإقليمية والدولية.
التقرير يرصد دينامية اقتصادية ارتكزت أساساً على زخم الاستثمار وتدفق الرساميل، مدفوعين بورش مشاريع كبرى، من بينها الاستعدادات لتنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم لكرة القدم 2030، إلى جانب الاستثمارات المكثفة في البنيات التحتية المرتبطة بالماء والطاقة والنقل. هذا المسار، بحسب المؤسسة المالية الإسبانية، تواكب مع إصلاحات مؤسساتية وهيكلية حسّنت مناخ الأعمال، وساهمت في توجيه الاقتصاد المغربي بشكل متزايد نحو التصدير، خاصة في قطاعات السياحة وصناعة السيارات والأسمدة، مع بقاء الاتحاد الأوروبي الوجهة الأولى للصادرات المغربية بما يقارب 70 في المائة.
ويبرز التقرير أن الرهان الاستراتيجي للمغرب يقوم على توفير بيئة جاذبة للاستثمار، مدعومة بشبكة بنى تحتية متطورة، من قبيل ميناء طنجة المتوسط، وشبكة الطرق السيارة، ومناطق التسريع الصناعي، وهي عناصر ساهمت في استقطاب شركات دولية كبرى. كما أشار إلى دور الإصلاحات المؤطرة للاستثمار، وفي مقدمتها ميثاق الاستثمار الجديد، الذي أرسى حوافز جبائية وتنظيمية تعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وعلى مستوى الأداء الكلي، سجل الاقتصاد المغربي تسارعاً ملحوظاً في وتيرة النمو خلال سنة 2025، حيث بلغ معدل نمو الناتج الداخلي الخام 5,5 في المائة خلال الفصل الثاني من السنة، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024. ويعزو التقرير هذا التحسن إلى تعافي القطاع الفلاحي، وانتعاش الاستثمار، خاصة في مجال البنيات التحتية، إلى جانب تحسن استهلاك الأسر، الذي استفاد من تراجع معدلات التضخم، فضلاً عن الأداء الإيجابي للصادرات، خصوصاً نحو الأسواق الإفريقية، وأوروبا، والصين.
في المقابل، يشير التقرير إلى أن دينامية الاستثمار انعكست على مستوى الواردات، ما أثر على آفاق الميزان التجاري. غير أن قوة مداخيل السياحة، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، وصادرات السلع، ساهمت في التخفيف من وطأة هذا الاختلال. كما توقعت المؤسسة المالية أن تبلغ المديونية الخارجية للمغرب حوالي 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق سنة 2030، معتبرة أن هذا المستوى يظل قابلاً للتحكم، بالنظر إلى طول متوسط آجال الدين، الذي يتجاوز ثماني سنوات، وتوفر احتياطي مريح من العملة الصعبة يعادل أكثر من خمسة أشهر من الواردات.
وفي سياق تعزيز متانة الاقتصاد، استفاد المغرب منذ أبريل الماضي من خط ائتمان مرن من صندوق النقد الدولي بقيمة 4,5 مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، على مدى سنتين، وهو ما يُنتظر أن يعزز هوامش الأمان الخارجي. وقد نوّه الصندوق، عند إقرار هذا الخط، بمتانة الإطار المؤسساتي للمملكة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لم يغفل التقرير تسجيل عدد من التحديات، في مقدمتها استمرار ارتفاع معدل البطالة في حدود 13 في المائة، وهو ما يُعزى جزئياً إلى الوزن الاجتماعي الكبير للقطاع الفلاحي، الذي، رغم تراجع مساهمته في الاقتصاد إلى نحو 10 في المائة من الناتج الداخلي الخام، لا يزال يشغل نسبة مهمة من اليد العاملة. ويواجه هذا القطاع ضغوطاً متزايدة بفعل توالي سنوات الجفاف، ما انعكس سلباً على مستويات الإنتاج.
في المقابل، أبرز التقرير التطور الإيجابي لمعدلات التضخم، التي واصلت تراجعها لتستقر دون 1 في المائة خلال فصل الخريف، سواء بالنسبة للتضخم العام أو الأساسي، وهو ما أتاح لبنك المغرب خفض سعر الفائدة الرئيسي إلى 2,25 في المائة في شهر مارس، بهدف دعم استقرار الأسعار وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وعموماً، خلص تقرير «كايسا بنك ريسيرش» إلى أن الآفاق الاقتصادية للمغرب تظل إيجابية خلال السنوات المقبلة، مدعومة باستمرار العوامل التي تقود النمو حالياً، وفي مقدمتها مشاريع البنيات التحتية وانتعاش الاستثمار الخاص، في ظل برنامج إصلاحي تقوده السلطات العمومية.
أما على مستوى المخاطر المستقبلية، فيشير التقرير إلى أن بنك المغرب يواصل تدبير سعر صرف الدرهم في إطار نظام يربطه بسلة عملات تتكون من الدولار الأمريكي بنسبة 40 في المائة، واليورو بنسبة 60 في المائة، مع هامش تقلب في حدود ±5 في المائة. وقد أظهر هذا النظام قدرة على الصمود أمام اضطرابات السياق العالمي، مع توقع استمرار هذه الاستقرار مستقبلاً.
كما يرى التقرير أن التحولات الجيوسياسية العالمية تحمل للمغرب في آن واحد فرصاً وتحديات، بحكم موقعه الجغرافي الذي يجعله حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا. ومن بين المخاطر المحددة، يبرز عامل التجارة الخارجية، إذ رغم أن الرسوم الجمركية الأمريكية لها تأثير مباشر محدود، نظراً لضعف حصة السوق الأمريكية من الصادرات المغربية، فإن الارتباط القوي بالأسواق الأوروبية، خاصة في سلاسل القيمة المرتبطة بصناعة السيارات، يظل نقطة حساسة في ظل التوترات التجارية العالمية، علماً أن هذا القطاع يمثل نحو 10 في المائة من صادرات المغرب، ويتركز قرابة 80 في المائة منه داخل الاتحاد الأوروبي.
كما نبه التقرير إلى المخاطر المناخية وتداعياتها على سوق الشغل، في ظل تحدي تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع التغيرات المناخية والظواهر الجوية القصوى. فقد أدت سنوات الجفاف المتتالية إلى فقدان نحو 700 ألف منصب شغل في القطاع الفلاحي خلال خمس سنوات، دون أن يتم تعويضها بالكامل في قطاعات أخرى، ما يطرح إشكال إعادة إدماج فئات من العمال ذوي التأهيل المحدود، والمتقدمين نسبياً في السن، والمتمركزين في الوسط القروي. وفي السياق ذاته، شدد التقرير على أهمية تقليص حجم الاقتصاد غير المهيكل، خاصة في صفوف النساء، ومعالجة البطالة المرتفعة في أوساط الشباب، التي تتجاوز 20 في المائة، في بلد يتميز بتركيبة ديموغرافية شابة لا يتجاوز متوسط أعمارها 30 سنة.





