هل الفيضانات نتيجة التغيرات المناخية فقط أم دليل على خلل في الحكامة والتخطيط؟

فاطمة الزهراء ايت ناصر
شهدت المملكة خلال الفترة الأخيرة فيضانات قوية أعادت إلى الواجهة النقاش حول علاقتها بالتغيرات المناخية وحدود جاهزية السياسات العمومية لمواجهة مثل هذه الظواهر.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور والأستاذ سعيد شكري، الخبير البيئي، أن ما يحدث اليوم يرتبط بدرجة كبيرة بالتحولات المناخية، غير أنه شدد في المقابل على ضرورة التأكد من صحة الأخبار المتداولة، محذراً من تضخيم بعض المعطيات أو التقليل من خطورتها، لأن فهم الظاهرة يقتضي قراءة علمية دقيقة بعيداً عن الانطباعات.

وأوضح الدكتور لـ”إعلام تيفي” أن المنخفضات الجوية التي تعرفها البلاد تعكس اختلالا في النظام المناخي، وهو أمر تؤكده تقارير علمية حذرت منذ سنوات من كون منطقة البحر الأبيض المتوسط، ومن ضمنها المغرب، تعد من أكثر المناطق عرضة للتقلبات المناخية المتطرفة.
ورغم تعدد السيناريوهات التي تم طرحها سابقا، يرى الخبير أن الإشكال لا يكمن فقط في الجانب العلمي، بل أيضا في مدى أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار عند وضع السياسات العمومية.
واعتبر المتحدث أن ما فاقم من حدة الوضع هو إشكال حكامة تدبير الفيضانات، مبرزا أن غياب المقاربة الاستباقية وتعدد المتدخلين يعيقان معالجة المشكل من جذوره.
فالماء، بحسب شكري، عنصر محوري في التغيرات المناخية، إذ يحضر في سياق الفيضانات كما في فترات الجفاف، غير أن تدبيره في المغرب ما يزال يفتقر إلى رؤية موحدة.
وذكر في هذا الإطار بدعوة جلالة الملك إلى عدم التعامل مع الماء بمنطق قطاعي، لأنه يتقاطع مع مختلف المجالات، ما يستدعي حكامة مندمجة وربما إطارا مؤسساتيا أكثر تخصصا.
كما أعاد الخبير التذكير بتقارير رسمية رصدت اختلالات هذا القطاع، من بينها تقرير المجلس الأعلى للحسابات سنة 2016 حول حكامة تدبير مخاطر الفيضانات، وتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2019، اللذان قدما توصيات عملية.
وتساءل شكري عن جدوى إعداد مثل هذه التقارير إذا لم يتم استثمارها فعليا بعد مرور عقد تقريبا، في وقت تتكرر فيه نفس الأزمات.
وأشار المتحدث إلى أن الإشكال يتجاوز الحكامة ليشمل أيضا التعمير، مبرزا أن قانون التعمير يعود إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمته للتحولات المناخية والعمرانية الحالية.
واعتبر أن مخططات التهيئة الحضرية لا ينبغي أن تبقى رهينة حسابات ضيقة، بل يتعين أن تدمج المخاطر الطبيعية ضمن أولوياتها، خاصة مع تزايد حدة الظواهر المناخية.
وفي الجانب الاقتصادي، نبه شكري إلى أن الفيضانات خلفت خسائر في الأراضي الزراعية والماشية، ما يفرض، بحسبه، انخراطا أكبر لقطاع الفلاحة إلى جانب باقي المتدخلين، بدل ترك واجهة التواصل والتدبير لوزارة التجهيز والماء وحدها. فالتحديات، كما قال، متعددة القطاعات وتتطلب تنسيقاً فعلياً بينها.
وعلى مستوى التدبير المحلي، اعتبر الخبير أن المجالس المنتخبة يفترض أن تكون في الصفوف الأمامية خلال الأزمات، بحكم اختصاصها الترابي، غير أنه طرح تساؤلات حول مدى توفرها على الإمكانيات اللوجستيكية والمالية الكافية.

واستحضر نموذج فيضانات القصر الكبير، حيث برز رئيس الجماعة في التواصل مع الساكنة، متسائلا في المقابل عن دور باقي المنتخبين والتقنيين وأصحاب الاختصاص، مؤكدا أن تدبير الأزمات مسؤولية مؤسسات لا أفراد.
وأشار إلى أن مواجهة الفيضانات تقتضي مقاربة شمولية تجمع بين المعرفة العلمية، وحكامة فعالة للماء، وتخطيط عمراني ملائم، إضافة إلى تنسيق مؤسساتي يضمن الانتقال من منطق رد الفعل إلى ثقافة الاستباق، خاصة وأن المؤشرات المناخية الحالية توحي بأن مثل هذه الظواهر مرشحة للتكرار مستقبلاً.





