هل تكفي الإصلاحات الحالية لمواكبة التحول الديمغرافي بالمغرب؟

أميمة حدري: صحافية متدربة
يشهد المغرب مرحلة ديمغرافية مفصلية تتطلب سياسات عمومية مندمجة، وقادرة على تحويل التحولات السكانية إلى رافعة حقيقية للتنمية، وفق ما أكدت عليه مارييل ساندر، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان بالمغرب، خلال كلمة ألقتها في مائدة مستديرة نظمها المرصد الوطني للتنمية البشرية بشراكة مع الصندوق، الثلاثاء 17 فبراير بالرباط، حول موضوع “التغيرات الديمغرافية: الواقع السوسيو-اقتصادي وسياسات التنمية البشرية”.
وفي كلمة لها بهذه المناسبة، أبرزت ساندر أن التحولات الديمغرافية التي يشهدها المغرب تعكس انتقالا عميقا في بنية المجتمع، يتمثل أساسا في تراجع معدل الخصوبة إلى مستويات تقل عن عتبة تعويض الأجيال، مقابل ارتفاع متوسط العمر وتزايد نسبة السكان في سن العمل، مشيرة إلى أن هذه الدينامية ليست إيجابية أو سلبية في حد ذاتها، بل تمثل فرصة مشروطة بمدى قدرة السياسات العمومية على مواكبتها.
وأوضحت المتحدثة ذاتها أن المغرب يوجد في مرحلة ديمغرافية مواتية، حيث تشكل الفئة في سن النشاط نسبة مهمة من السكان، وهو ما يتيح إمكانية تحقيق طفرة اقتصادية واجتماعية إذا ما تم الاستثمار في الرأسمال البشري بشكل فعال، غير أن هذه الفرصة قصيرة زمنيا، إذ إن استمرار انخفاض الخصوبة وتسارع الشيخوخة قد يقلصان من هذه الإمكانية خلال السنوات القليلة القادمة.
وشددت ممثلة الصندوق على أن التحدي لا يقتصر على التحولات العددية فحسب، بل يشمل نوعية الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، موضحة أن عددا مهما من الشباب لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين، ما يحد من مساهمتهم في الدينامية التنموية. مؤكدة أن ضعف مشاركة الشباب، خاصة من الفئات الهشة، يطرح إشكالات بنيوية تتطلب إصلاحات عميقة في مجالات التعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية.
ولتحويل التحول الديمغرافي إلى محرك للتنمية، شددت ساندر على ضرورة ضمان إدماج الأطفال والشباب في تعليم جيد وتكوين ملائم لسوق الشغل، وتمكينهم اقتصاديا، وتعزيز فرص ولوجهم إلى العمل اللائق، مع توفير أنظمة حماية اجتماعية فعالة ترافق الأفراد في مختلف مراحل حياتهم.
وأشادت بالإصلاحات التي أطلقها المغرب في السنوات الأخيرة، لا سيما المتعلقة بتوسيع ورش الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، معتبرة أن المهم ليس فقط إطلاق مبادرات جديدة، بل ضمان استدامتها وجودتها وربطها بأهداف واضحة قابلة للقياس.
وأوضحت ساندر أن التجارب الدولية أظهرت أن الدول التي نجحت في استثمار نافذتها الديمغرافية اعتمدت مقاربات شمولية تجمع بين تنمية الاقتصاد، وتعزيز العدالة الاجتماعية، والاستثمار في التعليم والصحة، وتقوية أنظمة الحماية الاجتماعية.
وختمت بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب تعبئة جماعية تشمل مختلف الفاعلين من مؤسسات حكومية وهيئات منتخبة ومجتمع مدني، لوضع سياسات عمومية منسجمة وقائمة على معطيات دقيقة، قادرة على تحويل التحولات الديمغرافية الجارية إلى فرصة تاريخية لتحقيق تنمية بشرية مستدامة.





