هل يمكن لانفعال كروي عابر أن يهز العلاقات المغربية الإفريقية؟

فاطمة الزهراء ايت ناصر

ليست التوترات التي أعقبت نهائي كأس إفريقيا للأمم سوى ارتدادات عاطفية عابرة، غذتها منصات التواصل الاجتماعي أكثر مما صنعتها السياسة أو الاقتصاد.

بهذا الوضوح، يضع رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة، ما جرى في حجمه الحقيقي، معتبرا أن الخلط بين الانفعال الرياضي والمسارات الجيوسياسية قراءة سطحية لا تصمد أمام عمق المصالح التي تربط المغرب بعمقه الإفريقي.

فالعلاقات بين الرباط وباقي العواصم الإفريقية، كما يوضح الخبير الاقتصادي، لم تبن على لحظة شعبية ولا على نتيجة مباراة، بل على اختيارات استراتيجية تراكمت عبر سنوات، وتحديدا منذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، حين أعاد تموقعه داخل القارة باعتبارها مجالا حيويا لا هامشا جغرافيا.

منذ ذلك التاريخ، انخرط المغرب في نسج شبكة معقدة من الشراكات الاقتصادية والمالية داخل القارة، شملت استثمارات بنكية واسعة، جعلت المؤسسات المالية المغربية حاضرة في أزيد من عشرين دولة إفريقية.

هذا الحضور، بحسب ساري، لم يكن مجرد توسع تجاري، بل رافقه نقل للخبرات وبناء للثقة، وهو ما منح المغرب موقع الشريك الموثوق داخل عدد من الاقتصادات الإفريقية الصاعدة.

ولا يتوقف هذا الامتداد عند القطاع البنكي، بل يشمل مجالات استراتيجية كبرى، من الطاقات المتجددة إلى البنيات التحتية والاتصالات والموانئ، خاصة في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. وهو ما جعل المغرب فاعلا اقتصاديا ينظر إليه باعتباره شريكا تقنيا وماليا، لا مستثمرا عابرا.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي ما يزال الشريك التجاري الأول للمملكة، فإن القارة الإفريقية باتت تستوعب حصة متنامية من الصادرات المغربية، خصوصا في مجالات حيوية كالفوسفاط ومشتقاته، المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والصناعات الزراعية.

في مواجهة بعض الخطابات التي ذهبت حد الحديث عن جميل اقتصادي مغربي غير مقدر، يختار ساري لغة هادئة وواقعية، فإفريقيا، في نظره، ليست قارة عاجزة حتى يرتهن نموها بدولة واحدة، أيا كانت، فهي تضم اقتصاديات وازنة كنيجيريا وجنوب إفريقيا ومصر، إلى جانب المغرب الذي يحتل اليوم مرتبة متقدمة قاريا على مستوى الاستثمار.

غير أن دور المغرب، كما يشرحه الخبير، يتمثل أساسا في كونه ميسرا وشريكا يربط بين إفريقيا وأوروبا، ويوفر التمويل والخبرة، دون ادعاء القيادة أو الوصاية، وهو منطق ينسجم مع التوجهات الملكية التي تضع التعاون جنوب–جنوب في صلب السياسة الخارجية للمملكة.

هذا التوجه الاستراتيجي يتجسد اليوم في مبادرات كبرى، على رأسها المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس، والرامية إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا والساحل، فضلا عن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، الذي يعد من أضخم المشاريع الطاقية بالقارة، ويحمل أبعادا تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والاستقرار الإقليميين.

أما التخوف من أن تتحول التشنجات الشعبية إلى عامل ضغط على العلاقات الرسمية، فيراه ساري غير ذي معنى، فالدول، في نهاية المطاف، لا تدار بالعاطفة ولا تسير بمنشورات مواقع التواصل. والدليل، كما يقول، هو الرسائل السياسية الواضحة التي أعقبت المباراة، من دعوات للتهدئة إلى إشادات رسمية بالتنظيم المغربي، سواء من مصر أو من السنغال نفسها.

ويخلص الخبير إلى أن الرهان الحقيقي للمغرب من تنظيم كأس إفريقيا لا يقتصر على العائدات المالية المباشرة، بل يمتد إلى ما هو أعمق كتعزيز صورة المملكة، وجعلها منصة جاذبة للاستثمار داخل القارة، وبوابة للتكامل الإفريقي في زمن التحولات الكبرى.

فبناء العلاقات، يؤكد ساري، لا يمكن أن يترك لمزاج جماهيري أو انفعال رياضي، لأن في ذلك عبثا استراتيجيا لا يليق بدول تفكر بمنطق المستقبل، لا بمنطق المباراة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى