وبعد..ضريبة الصمت الحكومي..فراغ يمتلئ بالفرضيات والشكوك المتضاربة

بشرى عطوشي
أزمة.. ثم تحرك.. وأحيانًا بيان صحفي.. وكل هذا ببطء شديد، وكأن الصمت واقٍ، وكأن احتواءه يُساعد الرواية على أن تُكتب من تلقاء نفسها!
عندما اجتاحت الفيضانات الشمال، انتشرت الصور أسرع من التفسيرات، صور طرق مقطوعة، وسكان يُتركون لمصيرهم، ومقاطع الفيديو تُتداول بلا انقطاع.
لم يكن النقص في المعلومات، بل في صوت الحكومة، في حضورها، في رسالة قادرة على احتواء الموقف قبل أن يُصبح مشبعا.
بالأمس حاول نزار بركة وزير التجهيز والماء، والأمين العام لحزب الاستقلال، خرج خلال الندوة الصحافية التي أعقبت المجلس الحكومي، أن يوضح الغياب الحكومي، مبررا ذلك بأن الأمر تقني ويعني بالدرجة الأولى الخبراء المعنيين بقطاع الماء والسدود وتدبير التفريغ وغير ذلك من المسائل الفنية، في وقت كان الخبراء نفسهم يتوارون، ويعودون إلى الخلف، فقد تواصل موقعنا مرات عدة مع عدد من الخبراء، فرفض أغلبهم الإجابة، وكأنهم لديهم تنبيه من التواصل مع الإعلام، أو مع إعلام دونا عن غيره.
تواصل موقع “إعلام تيفي”، مع بعض الأحواض المائية، فظل الصحافيون ينتقلون من هاتف إلى آخر علهم يحظون بإجابة أو رد على أسئلتهم، إلا أنهم وجدوا صعوبات كبيرة في الوصول إلى معطى ما، اللهم بعض البلاغات التي لم تكن تشفي غليل القارئ والتي اعتمد عليها الموقع، حتى أن التواجد بعين المكان غيبت فيه بعض المواقع التي تبحث المصداقية.
لنزار بركة أقول، إن التواصل لا يعني أن تخرج شخصيا وتوضح للعموم، كان الأجذر الإفصاح عن غياب معطيات بمواقع الأحواض المائية، وشرح كل هذه التقنيات على موقع وزارتكم، أو تحيين معطيات ومعلومات حول السدود، وأن يتتبع المواطن المعطيات، كما كان يتتبعها خلال كورونا، فقد كانت وزارة الصحة آنذاك والتي كان يرأسها الوزير السابق خالد آيت الطالب، تعطي معطيات دقيقة حول حالات الإصابة، والجهات والمناطق، وكان خروج معهد الأوبئة اليومي والأسبوعي يطمئن، ويعطي كل الأرقام ويعطي البيانات ويصف الحالات.
السيد الوزير، لم يكن المواطن يبتغي خروجك شخصيا، فقط إعطاء الصور الحقيقية، وتتبع المعطيات أولا بأول، حتى لا تبعث بعض الصور وبعض الرسائل المشفرة لبعض الأشخاص انطباعا بأن المغرب يغرق دون منقذ.
السيد الوزير بمتابعتنا لصور عناصر الدرك الملكي والجيش والسلطات المحلية والقوات المساعدة، والجهاز الأمني، والوقاية المدنية، كانت الأمور كلها وبأوامر ملكية سامية، مطمئنة ومبعث فخر لنا، كون أننا نعتمد على أجهزة قوية تحت رعاية الملك محمد السادس، إلا أنكم وحكومتكم، وناطقكم الرسمي، ظللتم صامتين في شغلكم السياسي فاكهين، ولم تريدوا حتى القول بأن هذه الأجهزة كلها قامت بما كان يلزمكم القيام به.
فلنذكركم بأن السيناريو نفسه تكرر خلال احتجاجات جيل زد، تصاعدت المطالب، واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي، وتغلغلت التأويلات.. وفي خضم ذلك، أعطى الصمت انطباعًا بأن هذه الحكومة، المنتخبة من الشعب، غير موجودة فعليًا.
ربما أصبح الصمت استراتيجية، ففي النهاية، يجنب غياب الكلمات الأخطاء الفورية.. حتى لو كان ذلك يعني السماح للخطأ الجماعي بالتجذر.
في المؤسسات والإدارات، الآلية مُماثلة، تندلع أزمة، فيسود التردد، وتُجرى المشاورات، ويُفضّل الانتظار حتى تتضح جميع الحقائق، ولكن في غضون ذلك، يُترك المجال للآخرين، لأن الطبيعة تكره الفراغ، وهذا الفراغ لا يدوم أبدًا. بل يمتلئ بالفرضيات والشكوك والروايات المتضاربة.
يُعطي الصمت وهم السيطرة، يبدو حكيمًا، ولكنه يُنشئ مسافة. والمسافة، في أوقات التوتر، سرعان ما تتحول إلى انعدام ثقة. لا يُلقى اللوم دائمًا على الخطأ، بل على الغياب!
المشكلة ليست في عدم معرفة كل شيء فورًا، المشكلة هي عدم التواجد الفعلي، عدم الاعتراف بالمسؤوليات، حتى وإن كان ذلك بشكل غير كامل – فليس أحد معصومًا من الخطأ، ولكن الاعتراف بالخطأ يُغفر نصفه.
التحدث بصراحة ليس حلًا للمشكلة؛ إنه ببساطة تحمل المسؤولية، وإظهار أن هناك من يقف بجانبنا، أما الصمت، من ناحية أخرى، فيوحي بأن السفينة قد تُركت دون رقابة، لا تُدمر الأزمة دائمًا أي مؤسسة، لكن الشعور بالهجران يترك أثره دائمًا.





