وفاة الفنانة القديرة صفية الزياني… رحيل أيقونة من الجيل المؤسس للمسرح المغربي

فاطمة الزهراء ايت ناصر

فقدت الساحة الفنية المغربية، يوم السبت 31 يناير 2026، واحدة من أعمدتها التاريخية، برحيل الفنانة القديرة صفية الزياني، عن عمر ناهز 90/91 سنة، بعد معاناة طويلة مع أمراض مزمنة، وذلك بالمركز الاستشفائي مولاي يوسف بمدينة الرباط.

وبرحيل صفية الزياني، يُسدل الستار على مسار فني استثنائي امتد لعقود، بصمت خلاله الراحلة تاريخ المسرح والتشخيص بالمغرب، وكانت شاهدة وفاعلة في مرحلة التأسيس الأولى للفن المسرحي والسينمائي والتلفزيوني الوطني.

وخلف خبر الوفاة حزنا عميقا في صفوف الفنانين والمثقفين، حيث نعتها عدة أصوات فنية ومسرحية عبر منصات التواصل الاجتماعي. وكتب الممثل والمخرج عبد الكبير الركاكنة: “رحم الله الفنانة الكبيرة لالة صفية الزياني، قامة فنية بصمت المسرح والسينما والتلفزيون بأعمال راقية ستظل خالدة في الذاكرة والوجدان”.

من جانبه، ودّع الفنان المسرحي محمد حمزة الراحلة بكلمات مؤثرة، واصفا إياها بـ”أيقونة المسرح المغربي” و”واحدة من آخر عنقود الجيل المؤسس”، مبرزا مسارها العصامي وتكوينها الأكاديمي، وحضورها الإنساني والفني الذي جعلها قريبة من وجدان المغاربة.

وتعد صفية الزياني من أوائل النساء اللواتي اقتحمن عالم المسرح بالمغرب في خمسينيات القرن الماضي، في زمن كان فيه صعود المرأة إلى الخشبة فعلا جريئا ومؤسسا. وقد بدأت مشوارها الفني عبر المباريات المسرحية التي كانت تنظمها وزارة الشبيبة والرياضة، قبل أن تلتحق سنة 1960 بـالمدرسة الوطنية للمسرح، حيث تلقت تكوينا على يد أساتذة مغاربة وأوروبيين.

وفي سنة 1962، انضمت إلى الفرقة الوطنية كممثلة محترفة، ثم التحقت سنة 1967 بالفرقة الوطنية للإذاعة، لتصبح صوتا مألوفا في الأعمال الإذاعية والتلفزيونية، إلى جانب حضورها القوي فوق خشبة المسرح.

وسعت الراحلة تجربتها الفنية لتشمل السينما، حيث شاركت في أعمال بارزة، من بينها أفلام للمخرج الجيلالي فرحاتي، وأعمال سينمائية دولية، من ضمنها الفيلم الفرنسي الشهير La Nuit Sacrée، إلى جانب مشاركات في إنتاجات إيطالية وألمانية، ما جعلها من الفنانات اللواتي جمعن بين التكوين المسرحي المحلي والانفتاح على التجارب العالمية.

أما لدى الجمهور العريض، فقد ارتبط اسم صفية الزياني بأدوار إنسانية قريبة من القلب، جسدت فيها صورة الأم والجدة المغربية بحكمة وبساطة وروح فكاهية أصيلة. ومن أبرز أدوارها، شخصية “سعد السعود” في السلسلة الكوميدية الشهيرة “حديدان”، ودور “هرنانة” في مسلسل “الوريث” سنة 2007، إضافة إلى حضورها اللافت في مسلسل “جحا”.

ورغم ما راكمته من رصيد فني واعتراف رمزي، إلا أن السنوات الأخيرة من حياة الراحلة اتسمت بظروف صحية واجتماعية صعبة، بعد أن أقعدها المرض وأبعدها عن الأضواء. وهو واقع أعاد إلى الواجهة إشكالية أوضاع عدد من رواد الفن بعد الاعتزال، في ظل غياب حماية اجتماعية كافية.

ومع ذلك، حظيت صفية الزياني بتكريم مستحق في حياتها، كان آخره خلال المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، حيث وقف الحاضرون إجلالا لمسارها الطويل وإسهامها العميق في بناء الذاكرة الفنية المغربية.

رحم الله الفنانة القديرة صفية الزياني، وأسكنها فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى