وهبي: الإثراء غير المشروع نفاق سياسي و”الدولة خصها دير شغلها ولا دخل سوق راسها”

حسين العياشي
أعاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية ليوم الثلاثاء بمجلس المستشارين، إثارة الجدل حول ملف الإثراء غير المشروع، مجددًا تمسكه بموقفه الرافض لتفعيل هذا المقتضى، ومضفيًا على النقاش نبرة حادة لم تخلُ من توصيفات سياسية وقانونية مثيرة.
وهبي اعتبر أن الدعوات إلى تجريم الإثراء غير المشروع لا تخرج، في جوهرها، عن كونها “نفاقًا سياسيًا” يختبئ خلف شعارات محاربة الفساد، مؤكّدًا أن أخطر ما يمكن أن تمسّه أي منظومة قانونية هو القاعدة الأسمى في العدالة الجنائية، والمتمثلة في قرينة البراءة. فالأصل، بحسب وزير العدل، أن كل شخص بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي، لا أن يتحول المواطنون تلقائيًا إلى متهمين مطالبن بإثبات براءتهم أمام “الدولة”.
وفي سياق دفاعه عن هذا الموقف، ذهب وهبي إلى أن منطق الإثراء غير المشروع، كما يُطرح في النقاش العمومي، يقوم على قلب قاعدة قانونية راسخة، عبر افتراض الشبهة في ذمة الأفراد، بدل إلزام السلطة العمومية بتحمل مسؤوليتها في المراقبة والتحقيق. وهو ما دفعه إلى إطلاق توصيف ساخر حين قال إن الإثراء غير المشروع “آخر ما جادت به العبقرية الوطنية”، في إشارة إلى ما يراه اختزالًا مبسطًا ومعيبًا لمعالجة إشكالية معقدة.
الوزير شدد، بنبرة لا تخلو من استفزاز، على أن لكل مواطن الحق في أن يتصرف كما بحرية، وأن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة قانونًا لمراقبة مصادر الثروة والتحقق من مشروعيتها. فإذا توفرت أدلة على خرق القانون، فالعقاب واجب، أما إذا لم تُثبت أي مخالفة، فلا معنى، بحسب تعبيره، لإبقاء المواطن تحت ضغط الشبهة الدائمة، مضيفًا بعبارة صادمة: “وإلا فلتدخل سوق راسها”، في تأكيده على أن وظيفة الدولة هي حماية الحرية والبراءة، لا تعميم الخوف والارتياب.
وفي تمييز واضح بين فئات المواطنين، أوضح وهبي أن منطق المراقبة يمكن أن يكون مبررًا فقط في ما يتعلق بالأشخاص الملزمين قانونًا بالتصريح بالممتلكات، حيث يحق للسلطات التدقيق في أي تفاوت أو تناقض بين ما صُرّح به وما هو قائم فعليًا. أما المواطن العادي، غير الخاضع لهذا النظام، فلا ينبغي، وفق رؤية وزير العدل، أن يعيش تحت هاجس المراقبة أو الخوف من المساءلة دون أساس قانوني واضح.
موقف وهبي، الذي يأتي في سياق نقاش تشريعي وسياسي محتدم حول أدوات محاربة الفساد، يعكس رؤية قانونية تضع حماية الحريات الفردية وقرينة البراءة في صدارة الأولويات، حتى وإن كان ثمن ذلك، في نظر منتقديه، إضعاف الترسانة الزجرية ضد مظاهر الإثراء غير المبرر. وبين من يرى في هذا الطرح دفاعًا عن دولة الحق والقانون، ومن يعتبره تراجعًا عن أحد مطالب الرأي العام، يظل ملف الإثراء غير المشروع واحدًا من أكثر الملفات حساسية، حيث يتقاطع القانون بالسياسة، وتتصادم الشعارات مع تأويلات النصوص الدستورية.





