حين يتكلم المسكوت عنه: شهادة صادمة من تسلطانت عن النفوذ والفساد والبلوكاج التنموي

حسين العياشي

في رسالة قوية الدلالة، اختار عدد من المتتبعين والفاعلين المحليين بجماعة تسلطانت أن يحولوا صوتهم من همس مثقل بالخوف إلى خطاب علني موجّه للرأي العام، عبر بوابة “إعلام تيفي”، تعبيرًا عن تقديرهم لدور الصحافة المسؤولة في كسر الصمت، وتنبيهًا إلى ما يعتمل داخل جماعة أنهكها التحكم وغيّبتها سنوات من الاستبداد.

الرسالة، التي وُجّهت إلى الصحافي أشرف بلمودن، لم تكن مجرد تحية مجاملة، بل شهادة صريحة على الأثر الذي خلّفه تناوله الأخير لملف تسلطانت ضمن برنامج «الرقابة الشعبية». ورغم ضيق الحيز الزمني المخصص للموضوع، إلا أن ما قيل كان كافيًا لإحداث رجّة داخل الجماعة، وتحويل اسم أحد النافذين إلى حديث يومي في المقاهي والبيوت، بعد أن ظل طويلًا محاطًا بهالة الصمت والخوف. حديثٌ أعاد، ولو جزئيًا، الأمل لساكنة أنهكها القمع، وأقنعها بأن جدار الصمت قابل للكسر، وأن المحاسبة ليست حلمًا مستحيلًا.

لقد فهمت الساكنة من هذا الطرح أن واقع التحكم، مهما طال أمده، لا يمكن أن يظل خارج دائرة المساءلة. ورغم ما يرافق هذا الواقع من ترهيب ممنهج، واستعمال للمال غير المشروع، واللجوء إلى القضاء كأداة لإسكات الأصوات الحرة، فإن الرسالة الإعلامية وصلت واضحة: هناك من يراقب، وهناك من يجرؤ على طرح الأسئلة المحرجة.

في خضم هذا التفاعل، تحرك فاعلون محليون وغيورون على الشأن العام، فعملوا على إخراج الجزء المتعلق بتسلطانت من دائرة النسيان إلى فضاء التداول الواسع، عبر نشره على المنصات الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي، وإيصاله إلى مسؤولين ومهتمين، في مسعى جماعي لجعل ما يجري بالجماعة أولوية حقيقية لدى الجهات المعنية، بعد سنوات من التهميش والتجاهل.

وتكشف الرسالة، بلهجة صريحة، أن جماعة تسلطانت تعيش منذ زمن طويل تحت وطأة تحكم شديد واستبداد ممنهج، حوّلها نافذون إلى ما يشبه «قلعة مغلقة»، تُقمع داخلها الأصوات المعارضة، وتُكافأ الولاءات، وتُجهض كل المبادرات التي لا تحظى برضا أصحاب النفوذ ومن يدور في فلكهم. هذا الوضع لم يُنتج سوى بلوكاج تنموي خانق، حرم الجماعة من فرص حقيقية للتقدم، وكرّس الإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات لدى فئات واسعة من المواطنين.

ولا يتوقف الأمر عند حدود التعطيل التنموي، بل يتعداه إلى عبث موصوف بالأملاك المخزنية، وأراضي التعاونيات، وانتشار مقلق للبناء العشوائي، فضلًا عن ملفات فساد متعددة، يؤكد الفاعلون المحليون أنهم يتوفرون بشأنها على وثائق ومعطيات دقيقة، ومستعدون لوضعها رهن إشارة الصحافة الجادة، لكشف حجم الاختلالات وتوضيح صورة الفساد القائمة دون تزييف أو تهويل.

أمام هذا الواقع، تعلن ساكنة تسلطانت، عبر هذه الرسالة، عن مطلب واضح لا لبس فيه: ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإنصاف حقيقي يضع حدًا لسنوات من استغلال النفوذ، وينهي سياسة العصبية القبلية والتمييز التي أججت التوتر بين المواطنين، قدامى ووافدين، وعمّقت الإحساس بالحيف والحكرة.

إنها رسالة أمل أخير في ألا تُترك تسلطانت لمصير النسيان، وألا يُطوى ملفها كما طُويت ملفات كثيرة قبلها. أملٌ في أن يظل الإعلام صوتًا للفرج والانعتاق، وجسرًا لإيصال معاناة الساكنة إلى من يهمهم الأمر، وفي مقدمتهم جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بعد أن تآكلت ثقة المواطنين في إنصاف محلي طال انتظاره.

هكذا، تتحول رسالة التقدير إلى نداء مفتوح، وتتحول الشهادة إلى مسؤولية جماعية، عنوانها أن الحقيقة، مهما حوصرت، تجد دائمًا طريقها إلى الضوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى