2025 بالمغرب.. عام مشتعل بالأسئلة ومثقل بالدروس والحكم

أميمة حدري صحافية متدربة

لم تكن سنة 2025 سنة عابرة في روزنامة الزمن المغربي، بل جاءت كثيفة المعنى، متشابكة الأحداث، كأنها أرادت أن تختبر صبر البلاد وتماسكها في آن واحد.

هو عام حمل الفرح كما حمل الفقد، وفتح النوافذ على الإنجاز كما كشف الشقوق العميقة في الجدار الاجتماعي. بين شارع يغلي، وقرار دولي يحسم اتجاه الرياح، وكأس كروية أعادت البسمة، وفيضان ترك المدينة عارية أمام قدرها، كتب المغاربة فصول سنة لا تنسى.

حين تكلم الجيل الجديد

في قلب المشهد الداخلي، دوى صوت جيل لم يكن مألوفا في معادلات الاحتجاج. جيل ولد مع الهواتف الذكية، وتشكل وعيه في الفضاء الرقمي، لكنه اختار، في لحظة فارقة، أن ينزل إلى الشارع.

“جيل زد”، الذي يضم فئة عمرية تمتد من المراهقة إلى أواخر العشرينات، فجر واحدة من أوسع موجات الاحتجاج التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة.

لم تقتصر التحركات على العواصم الكبرى، بل امتدت إلى مدن متوسطة وصغرى، بمطالب كانت واضحة في جوهرها، صحة تليق بالمواطن، وتعليم يفتح الأفق بدل أن يغلقه.

طيلة عشرة أيام، حافظت الاحتجاجات على طابعها السلمي، قبل أن تنفلت الأوضاع في بعض المدن خلال الأسبوع الأخير، حيث تحولت الساحات إلى مسارح صدام، وأسفرت المواجهات عن مقتل محتجين، وإصابة مئات من رجال الأمن، إلى جانب خسائر مادية وتوقيفات واسعة، بحسب المعطيات الرسمية.

وأمام هذا التصعيد، خرجت الحكومة من صمتها، وكثف وزراؤها حضورهم في الإعلام الرسمي، محاولين احتواء الغضب وتقديم إجابات، مع تكرار الدعوة إلى الحوار. غير أن الأسئلة التي فجرها الشارع ظلت أعمق من أن تختزل في بلاغات أو تصريحات عابرة.

حين ترجحت كفة الواقعية ودقت ساعة الحقيقة

على الضفة الأخرى، وفي دهاليز الدبلوماسية المغربية، سجل المملكة مكسبا وازنا في قضيته الوطنية الأولى، بعد أن اعتمد مجلس الأمن الدولي، خلال السنة الجارية، القرار رقم 2797، مؤكدا بلغة صريحة، أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر واقعية لنزاع عمره نصف قرن.

القرار، الذي حظي بتصويت 11 عضوا لصالحه، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان، وغياب الجزائر عن التصويت، لم يعد مجرد مبادرة مطروحة، بل بات، في نظر قوى دولية وازنة، الإطار الواقعي الوحيد القابل للتطبيق.

حين اعتلى جيل زد إلى منصة التتويج

لا يمكن الحديث عن سنة 2025 دون الحديث عن المنتخب المغربي لأقل من 20 عاما الذي كتب فصلا جديدا من المجد الرياضي، حين اعتلى منصة التتويج بطلاً لكأس العالم للشباب 2025 في تشيلي، بعد فوز مستحق على المنتخب الأرجنتيني بهدفين نظيفين في المباراة النهائية.

هدف الانتصار كان أكثر من مجرد نتيجة، فهو أول لقب عالمي للمغرب في هذه الفئة العمرية، وجعل من “أشبال الأطلس” أول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز منذ تتويج غانا في نسخة 2009، ليصبحوا رمزا للفخر الوطني وإشعاع الكرة المغربية على خارطة العالم.

هذا النصر التاريخي جاء بفضل أداء جماعي متكامل وروح قتالية لا تلين، حيث برز ياسر الزابيري كالنجم الساطع، مسجلا الهدفين في الشوط الأول؛ الأول من ركلة حرة متقنة في الدقيقة 12، والثاني بعد جهد فردي رائع في الدقيقة 29، ليضع بصمته الخاصة في تاريخ كرة القدم المغربية.

لم يكن الطريق إلى المجد سهلا، إذ تجاوز المغرب منافسين عالميين كبارا، بينهم البرازيل والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وفرنسا، في رحلة عززت من مكانة الكرة المغربية.

حين ابتسمت الشباك للمغرب

وسط هذا الزخم السياسي والاجتماعي، جاءت كرة القدم كفسحة أمل. ففي ليلة ماطرة بملعب لوسيل في الدوحة، كتب المنتخب الوطني الرديف فصلا جديدا من الفرح، بتتويجه بلقب كأس العرب قطر 2025، بعد فوز ثمين على المنتخب الأردني بثلاثة أهداف مقابل اثنين.

هدف مبكر من أسامة طنان، بتسديدة جريئة من منتصف الملعب، أشعل المدرجات، قبل أن يعود المنتخب الأردني بقوة في الشوط الثاني، ويقلب الطاولة بثنائية علي علوان. لكن المباراة لم تقل كلمتها الأخيرة، فعبد الرزاق حمد الله أعاد التوازن في الدقيقة 87، ثم حسم اللقب في الدقيقة 100 من الشوط الإضافي.

حين كشفت السيول ما أخفي طويلا

غير أن السنة أبت أن ترحل بهدوء. ففي زوال 14 دجنبر الجاري، فاجأت أمطار غزيرة مدينة آسفي، وتحول واد “الشعبة”، المجرى الموسمي الذي طالما استهين بخطورته، إلى سيل جارف ابتلع الأزقة والمنازل.

وخلال ساعات قليلة، سقط أكثر من 30 ضحية، وفقد العشرات، ودمرت ممتلكات، خاصة في المدينة القديمة، حيث كشفت السيول هشاشة البنية التحتية، وعجز شبكات تصريف المياه عن مجاراة غضب الطبيعة، منازل انهارت، وأخرى باتت مهددة، وسكان وجدوا أنفسهم بلا مأوى، وبلا أجوبة.

الفيضان، الذي يعد من أعنف خمسة في تاريخ المدينة منذ قرون، لم يكن مجرد كارثة طبيعية، بل مرآة عكست أعطاب التهيئة الحضرية، وغياب الاستعداد لمخاطر موثقة في ذاكرة المكان.

حين صارت المملكة مضيفة القارة بأكملها

لا يمكن الحديث عن حصاد سنة 2025 في المغرب دون الوقوف عند احتضان المملكة المغربية لكأس الأمم الإفريقية، الحدث الذي أضاء الملاعب والمدن وجعل البلاد محور الأنظار القارية والدولية. وتحولت الرباط ومراكش وفاس وأكادير والدار البيضاء وطنجة إلى مسارح احتفالية تتناغم فيها الحداثة مع العراقة، والمرافق الرياضية مع الأصالة الوطنية، لتصبح كل مدينة، وكل ملعب، لوحة فنية تروي قصة جهد متواصل ورؤية واضحة للنهوض بالرياضة المغربية.

ويظل ملعب مولاي عبدالله في الرباط في قلب الحدث، ليس لحجمه البالغ 68 ألف متفرج فحسب، بل لأنه صار منبر البطولة، يحتضن مباراتي الافتتاح والنهائي. أما الملاعب الأخرى، من الملعب الكبير بأكادير إلى ملاعب مراكش وفاس والدار البيضاء وطنجة، فقد أعدت بأقصى درجات العناية، من مقاعد مريحة وأسقف مبتكرة، إلى إضاءة تبرز ألوان العلم الوطني، لتكون تجربة الجمهور تجربة متكاملة من الفرح والانتماء.

ومع انطلاق صافرة البطولة، تحولت المدرجات إلى بحار من الحماس، حيث ارتفعت أصوات الجماهير وتماهت مع دقات الكرة على العشب الأخضر، ليظل احتضان المغرب لكأس إفريقيا 2025 علامة مضيئة في سجل الإنجازات الوطنية، شاهدة على التميز التنظيمي والإبداع في البنية التحتية.

وهكذا توشك سنة 2025 في المغرب على الانتهاء، عام مشحون بالتناقضات، ثقيل بالدلالات، لا يختزل في حدث واحد ولا يقرأ من زاوية واحدة. فبين شارع قال كلمته، ومملكة رسخت موقعها دوليا، وشعب فرح بكرة القدم وبكى ضحاياه، تبقى سنة 2025 عتبة أسئلة كبرى، يحملها المغاربة معهم وهم يعبرون نحو 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى