289 حكمًا في سنة واحدة.. القضاء يُشدد الخناق على تبييض الأموال

حسين العياشي

عرفت العدالة الجنائية بالمغرب تحولًا لافتًا في تعاطيها مع جرائم الفساد المالي وتبييض الأموال خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن لم يتجاوز عدد الأحكام الصادرة في هذا المجال ثمانية أحكام فقط بين سنتي 2008 و2017، سجلت سنة 2024 وحدها صدور 289 حكمًا، انتهى أغلبها بالإدانة وعقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية، وفق ما كشف عنه التقرير السنوي الثامن لرئاسة النيابة العامة.

التقرير، المؤرخ للسنة القضائية 2024، يضع تخليق الحياة العامة وحماية المال العام ضمن أولويات السياسة الجنائية الوطنية، مسجلًا تصاعدًا واضحًا في نجاعة تدخل النيابات العامة في تعقب الفساد وتجفيف منابعه، مدعومة بإطار قانوني أكثر صرامة وخبرة قضائية متراكمة.

ومن بين الآليات التي ساهمت في هذا التحول، الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة، الذي أطلق سنة 2018، واستقبل إلى غاية نهاية 2024 ما مجموعه 86.474 اتصالًا، منها نحو 9 آلاف خلال سنة واحدة. وقد مكّن هذا النظام من توقيف 360 شخصًا في حالة تلبس، 61 منهم خلال 2024، موزعين على مختلف جهات المملكة.

وعلى المستوى القضائي، أفضت أغلب هذه القضايا إلى أحكام بالإدانة، مقابل عدد محدود من البراءات وأوامر عدم المتابعة، ما يعكس، وفق التقرير، توازنًا بين الصرامة واحترام قرينة البراءة. كما ترافقت الأحكام الصادرة بعقوبات حبسية وغرامات مالية، انسجامًا مع توجهات السياسة الجنائية في مجال محاربة الفساد.

وفي ما يخص الجرائم المالية بشكل عام، عالجت النيابات العامة المتخصصة 874 قضية خلال 2024، مسجلة تراجعًا طفيفًا مقارنة بالسنة السابقة، فسره التقرير بتقليص المخزون المتراكم من الملفات وتسريع وتيرة البت فيها، خاصة على مستوى محاكم الاستئناف.

وسجل التقرير أيضًا ارتفاعًا في عدد الشكايات المرتبطة بالفساد المالي، حيث بلغ عددها 522 شكاية جديدة خلال سنة واحدة، مع معالجة حوالي 70 في المائة من مجموع الملفات المعروضة، وهو ما يعكس تحسنًا في الأداء المؤسساتي.

أما في مجال تبييض الأموال، فقد أكد التقرير ترسخ التجربة المغربية، خاصة بعد خروج المملكة من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، بفضل تعزيز التعاون القضائي الدولي وتكثيف المتابعات المرتبطة بالجرائم ذات العائدات المالية المرتفعة. وقد بلغ عدد القضايا المسجلة في هذا الإطار سنة 2024 ما مجموعه 801 ملفًا، في استقرار عند مستوى مرتفع بعد سنوات من التصاعد المتواصل.

كما سجلت سنة 2024 رقمًا قياسيًا في عدد الأحكام الصادرة في قضايا غسل الأموال، مع غلبة العقوبات الحبسية التي تراوحت في معظمها بين شهرين وسنتين، مرفوقة بغرامات مالية.

وعلى الصعيد الدولي، عزز المغرب موقعه كفاعل إقليمي في هذا المجال، من خلال تبادل الخبرات مع دول إفريقية وأوروبية، والمشاركة في إرساء شبكات إقليمية لتتبع واسترجاع العائدات الإجرامية.

ومع اقتراب موعد التقييم الدولي الجديد سنة 2026، يبرز التقرير أن المسار الذي قطعه المغرب منذ 2017 يعكس تحولًا بنيويًا حقيقيًا في مكافحة الفساد المالي، مع بقاء التحدي قائمًا في ترسيخ هذا المنحى وضمان استدامته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى