الإعلام المعاصر بين الحرية والفوضى

0

برعلا زكريا _(آراء وقضايا)

 

أستهل هذا الرأي المتواضع من آخر تصنيف عالمي لحرية الصحافة، الذي قيم ظروف ممارسة النشاط الإعلامي في 180 دولة، والذي وضع المغرب بالمرتبة 135. وعلى غير ما قد يعتقد البعض، فهذه المرتبة قد تعتبر جيدة نسبيا بالنسبة للمغرب خصوصا بالمقارنة مع دول أخرى ( روسيا : 155، فلسطين:170، الهند: 150، الكويت:158، مصر: 168). وذلك لأن كل دولة لها خصوصياتها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فالمملكة العربية السعودية جاءت في المرتبة (166)، فهل ذلك يعني انعدام حرية الصحافة بها؟ أم أن التصنيف تأثر بالمواقف الدولية من نزاع السعودية واليمن؟

وفي الدول الإسلامية مثلا، لا يعقل أن يعرض الإعلام محتويات إباحية في إطار تحقيق أو روبورتاج، أو نشر آراء تدعو للخروج عن الدين الإسلامي تحت غطاء “حرية الصحافة”. فهل يأخذ التصنيف الدولي كل هذه الخصوصيات بعين الاعتبار؟

من جهة أخرى، لا يختلف اثنان على أن حرية الصحافة محدد رئيسي في ديمقراطية الدول وتقدمها، ومقياس موثوق لتقدم الشعوب والمجتمعات. لكن، عن أي إعلام نتحدث في ظل فوضى المعلومات، حيث أصبح الفضاء الرقمي معولما وغير منظم، إلى درجة بات يشكل معها أرضا خصبة لانتشار المعلومات الكاذبة والدعاية والخضوع للأهواء.

صحيح أن تطور وسائل الاتصال، دفع بالمشهد الإعلامي المغربي إلى طرق جديدة، مبتكرة وسريعة، وعلى رأسها مقاطع من صنف (talk show). بمعنى: أنه عوض تحرير المقال أو التنقل للأستوديو من أجل التسجيل، يمكنك كبس زر “اللايف” من أريكة بالمنزل باستخدام موقع ” فيسبوك” أو”يوتوب”. كما يمكنك أن تستفيد من تفاعل مباشر لمن يشاهدك، ويتوفر لديك كم هائل من المعطيات حول نسب المتابعة والتفاعل وغيرها… هذه المعطيات من شأنها المساعدة في تصويب الأفكار وإرضاء الجمهور.

لكن ومع الأسف، وعلى غرار ما يصطلح عليهم ب “المؤثرين” أصبح بعض الصحافيين رهينة لدى متابعيهم،لدرجة انهم صارو يحرصون على إرضائهم ولو على حساب الحقائق. وهذا المنزلق الخطير من شأنه أن يسقط بقوة بالصحافة وبجودتها للقاع، حيث يوجد “روتيني اليومي”.

قد يقول قائل بأن الأسباب التي تساهم في هذا الانحدار معقدة وتطرح إشكاليات كبيرة على غرار ضعف الموارد المادية من أجل تدبير مقاولة صحافية، وعزوف المواطن (المستهلك) عن قراءة المقالات، وتفضيل مقاطع مصورة قصيرة. كذلك وجود أياد خفية تستفيد من فقدان الثقة في الصحافي، خصوصا وأن بعضهم أمسى يغير مواقفه بشكل ملحوظ، ويسقط في فخ التناقض، وهذا متوقع تماما، فكلما كان الخروج عبر “اللايف” مكثفا كلما زاد احتمال الخطأ. والأفدح أن الأخطاء تظل موثقة للأبد، مادام أنه تم تحميلها على قنوات رقمية ك”اليوتوب” أو غيره.

ولا أجد تفسيرا لكل هذه الفوضى، سوى لدى عالم الاجتماع البولندي “زيجمونت باومان” من خلال نظريته حول الحداثة السائلة، حيث أن ثقافة الإستهلاك صارت هي المسيطرة. ليس فقط الإستهلاك المادي الشره، الذي أصبح لا يقاوم، بل حتى الإستهلاك المعنوي والتمرد على القيم والأعراف. بالإضافة لسيادة الفردانية والتعصب.

ويكفي إلقاء نظرة على طاولة بمقهى يجتمع حولها أصدقاء، ستجد أن كل واحد منهم منغمس في هاتفه يسافر عبر العوالم الافتراضية ويستهلك المحتويات دون هدف محدد، مع عدم القدرة على التحكم في هذا السحر المسيطر. تجمعهم طاولة المقهى وتفصلهم أسوار وهمية عالية. هذا الأمر تجده في البيوت، حيث يعيش الأطفال في لوحاتهم الإلكترونية، وينعزل الزوج عن زوجته تماما، ولو جمعهم نفس السرير. ولا شيء يمكن رؤيته سوى أضواء شاشات الهواتف الذكية داخل ظلام المنازل.هذا الظلام الروحي الذي جعل من يبوتنا أوهن من خيوط العنكبوت، من شأنه أن يلقي بالصحافة في مستنقع الرداءة والبوار.

ولا يمكن الحديث عن تدني مستوى الإعلام وقوته في أي دولة دون ربط ذلك بمؤشرات التنمية، وعلى رأسها التعليم. ولعل ذلك هو ما انتبه له أساتذة المعهد العالي للإعلام والاتصال، بالرباط من خلال فتح نقاش حول إعادة النظر في التكوين بهذا المعهد الذي يضخ سنويا عشرات الصحافيين والإعلاميين بسوق الشغل. وهو نقاش مشروع بالنظر لتردي المشهد الإعلامي. ومن جهته، لطالما نبه المجلس الوطني للصحافة عبر تقاريره، لما قد يعتبر خروقات أو تجاوزات في التغطية الإعلامية، سواء متعمدة أو بسبب ضعف التكوين، كما كشف عبد الله البقالي رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية عن أرقام صادمة بخصوص المقاولات الصحفية بالمغرب،  حيث أن ما يقارب 260 جريدة إلكترونية تتكون من 3 أشخاص فقط !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.