جمال اقشباب لإعلام تيفي:”البطيخ الأحمر بين ربح المضاربين وعطش الساكنة “

نجوى القاسمي
بين جنّة البطيخ وجحيم العطش، تختنق زاكورة. المدينة التي كانت واحة خضراء على ضفاف وادي درعة، تعاني اليوم من أزمة مياه خانقة، في وقتٍ تتسع فيه مساحات زراعة البطيخ الأحمر، لا كمصدر للغذاء أو الاكتفاء الذاتي، بل كمشروع ربحي موجّه للأسواق الدولية، يُستنزف من خلاله شريان الحياة في المنطقة: المياه الجوفية.
البطيخ… محصول مربح أم لعنة بيئية؟
و أوضح رئيس جمعية أصدقاء البيئة بزاكورة جمال اقشباب خلال حديثه في موضوع لموقع “اعلام تيفي” ، فإن زراعة البطيخ الأحمر بدأت على نطاق ضيق في أواخر العقد الأول من الألفية، لكنها سرعان ما تحولت إلى إنتاج مكثف مدفوع برغبة مستثمرين من خارج الإقليم، مستفيدين من دعم مخطط المغرب الأخضر (2008-2020) واستراتيجيته اللاحقة “الجيل الأخضر”. هذا الدعم سهل الوصول إلى المياه الجوفية، ومهد لتوسع زراعة محصول يُستهلك كميات ضخمة من المياه في منطقة تعاني أصلا من الجفاف الشديد.
و اكد ان ورغم البطيخ الأحمر يتميز بدورة نمو قصيرة وربحية عالية، إلا أن هذا “النجاح التجاري” لم ينعكس إيجابا على حياة السكان المحليين. بل على العكس، تفاقمت أزمة الندرة المائية، وتراجعت معدلات إنتاج النخيل، العمود الفقري للاقتصاد المحلي، وتدهورت البيئة الزراعية التقليدية للواحات.
وأورد التقرير الصادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات تحت عنوان “الانتقال المائي العادل في المغرب ان أزمة المياه في زاكورة بلغت ذروتها مع تنظيم السكان لـمسيرات العطش في 2017 و2018، احتجاجا على تراجع جودة المياه وندرتها. بعض القرى لا تزال تعتمد على صهاريج متنقلة لتأمين حاجتها اليومية من الشرب. وفي هذا السياق، يؤكد اقشباب أن إنتاج البطيخ لم يُترجم إلى تحسين لسبل العيش، بل ساهم في تعزيز الفوارق الاجتماعية والبيئية، كما أدّى إلى نزوح قسري للسكان وهجر المدارس والمرافق العمومية، في ظل تدهور بيئي خطير.
الوزارة في موقف دفاعي… والبطيخ موضوع محظور
في حين اعترفت وزارة الماء سنة 2017 على لسان كاتبة الدولة شرفات أفيلال بالعلاقة بين البطيخ واستنزاف المياه، فإن وزارة الفلاحة ظلت تنكر هذه الصلة، مفضلة تعليق الأزمة على شماعة “التغيرات المناخية”. ويُنتقد هذا الموقف على نطاق واسع من طرف جمعيات البيئة التي تطالب منذ سنوات بـمنع زراعة البطيخ في المنطقة وحماية النظام الزراعي التقليدي، إلى جانب تفعيل “شرطة المياه” لمنع الحفر العشوائي وتنظيم توزيع الموارد المائية.
بعد ضغط المجتمع المدني، بدأت السلطات تتجاوب بشكل تدريجي. حيث تم تعميق بعض الآبار، وإنشاء محطة لتحلية المياه، وبناء سد أكدز (سعة 317 مليون متر مكعب) لتغذية المدينة. كما فرض والي زاكورة سنة 2023 قيودًا تقلص مساحة زراعة البطيخ في مناطق حيوية إلى هكتار واحد فقط. ومن الملفت أن بعض هذه الإجراءات تُنفذ بشكل صارم، وصولًا إلى تدمير المحاصيل غير القانونية.
وفي محاولة لتنظيم استغلال المياه الجوفية، أطلقت وكالة حوض المياه سنة 2019 مشروع “عقد الطبقات المائية”، بمشاركة الفاعلين المحليين. لكن وفقا لاقشباب، فإن بعض الشباب الفلاحين المحليين يرون أن هذه العقود قد تصب في مصلحة المستثمرين الخارجيين أكثر منهم، ما يعمق الشعور بالغبن داخل المجتمع الزراعي الأصلي.
يبدو أن زراعة البطيخ، رغم ما تحققه من أرباح، أصبحت رمزا لاختلالات هيكلية في تدبير الموارد الطبيعية، وعنوانًا لانفصام بين السياسات الفلاحية وواقع السكان المحليين.





