الغلاء والفساد وغياب المعارضة.. واقع سياسي يسبق صناديق الاقتراع

نجوى القاسمي

في الوقت الذي تتفاقم فيه معاناة المغاربة مع غلاء الأسعار وتدهور الخدمات الأساسية، تنخرط بعض الأحزاب السياسية في حملة دعائية مبكرة تُبث على شاشات  محاولة رسم صورة وردية لإنجازات حكومية لا تلمسها الغالبية في حياتها اليومية. يظهر هذا التوجه السياسي المتسارع بعيدا عن السياق الانتخابي الرسمي، وكأنه هروب إلى الأمام في مواجهة واقع اجتماعي واقتصادي مقلق، لا تملك الحكومة الحالية ولا المعارضة مفاتيح حقيقية لتغييره.

بحسب نتائج أحدث تقارير مؤسسة “أفروبارومتر”، وهي من أبرز الجهات المتخصصة في قياس الرأي العام بإفريقيا، فإن مؤشرات الثقة في الأداء الحكومي تتراجع بشكل لافت. أكثر من 44% من المغاربة يرون أن الحكومة فشلت في تحسين ظروف الفقراء، فيما اعتبر 36.1% أن أدائها في مجال خلق فرص العمل سيء جدا، بينما يرى 42.4% من المواطنين أن الحكومة أخفقت بشكل كبير في تحقيق استقرار الأسعار، وهي أرقام تعكس عمق الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.

أما بخصوص نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية المقبلة، فقد صرح 34.1% من المستجوبين بعدم رغبتهم في المشاركة، بينما عبّر 4% عن نيتهم التصويت لحزب الاستقلال، و3.8% لكل من حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، في حين لم يحصل حزب التجمع الوطني للأحرار سوى على 3.2%.

ورغم هذا، تواصل الحكومة استعمال القنوات  تواصل الاجتماعي  لتسويق ما تصفه بـ”حصيلة إيجابية”،  ويرى العديد من المراقبين أن هذا السلوك يدخل ضمن استعدادات انتخابية مبكرة تستهدف التأثير في شريحة من المواطنين  تستعمل وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الفئة الأكثر عرضة للتأثر بالرسائل التقليدية.

لكن الأرقام لا تكذب. أكثر من 81% من المغاربة لا يشعرون بالانتماء لأي حزب سياسي، كما أن نسبة الثقة في الأحزاب لم تتجاوز 15%، سواء تعلق الأمر بأحزاب الأغلبية أو المعارضة. ثقة متآكلة، ومشهد سياسي مأزوم، تفاقمه اتهامات واسعة بالفساد تطال البرلمان، حيث يرى 45% من المستجوبين أن معظم البرلمانيين متورطون فيه.

في ظل هذا السياق، تظهر المعارضة عاجزة عن تأدية دورها الرقابي والتأطيري. الخطابات تفتقر للعمق، والبدائل شبه غائبة، والتفاعل مع هموم المواطنين محدود. لا صوت جاد يواجه التضخم، ولا مساعي واضحة لكشف مكامن الفشل في السياسات العمومية، وكأنها تشارك الأغلبية مسؤولية الصمت والتغاضي.

الهوة بين المؤسسات والشارع تتسع. المواطن البسيط لا يرى في خطاب الأحزاب سوى صدى لنخبة سياسية تتبادل الأدوار، دون تغيير ملموس في معادلة العيش اليومي. ترويج الحكومات لإنجازات غير محسوسة، وركون المعارضة إلى دور هامشي، لا يمكن إلا أن يعمّق أزمة الثقة التي تهدد مستقبل الممارسة الديمقراطية في البلاد.

المعضلة لا تكمن فقط في أداء الحكومة، بل في منظومة حزبية لا تجدد نفسها، ولا تنتج نخبا قادرة على التفاعل الحقيقي مع انتظارات المواطن، ويغيب العمل الميداني لصالح الحملات الافتراضية، فإن النتيجة تكون عزوفا انتخابيا ومجتمعيا يضعف المسار الديمقراطي برمته.

في النهاية، يمكن القول إننأمام مفترق طرق سياسي: إما مراجعة شاملة لمنطق تدبير الشأن العام، وإما استمرار التسويق السياسي الذي لا يصمد أمام الحقيقة اليومية للمواطن. وبين هذا وذاك، تظل الأسئلة معلقة: من يمثل المواطن المغربي اليوم؟ من يُدافع عن صوته؟ ومن يجرؤ على طرح البدائل لا الأقنعة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى