تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات يكشف أعطاب ورش تبسيط المساطر الادارية

نجوى القاسمي

في تقريره المعنون بـ متاهة المرتفق في دواليب الإدارة العمومية”، يرسم المعهد المغربي لتحليل السياسات صورة دقيقة ومعمقة عن واقع الإدارة المغربية في ظل تنزيل القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.

التقرير يبرز أن الورش الذي أُريد له أن يُحدث ثورة إدارية ما زال يصطدم بجدران مقاومة تقليدية تُعيد المرتفق إلى نقطة البداية، في مشهد يُكرس تعقيد العلاقة بين المواطن والإدارة رغم كل الجهود الرسمية.

قانون طموح وإدارة متقاعسة

اعتمد المغرب القانون رقم 55.19 بهدف تسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية عبر مجموعة من المبادئ المحورية الشفافية، الثقة، المرونة، والتقريب. فتمت إزالة العديد من القيود الإدارية السابقة، وتم التنصيص على إلغاء تصحيح الإمضاء في الملفات الإدارية، مع تعويض بعض الوثائق بالتصريح بالشرف. كما حدد القانون أجلا أقصى لدراسة الملفات لا يتعدى ستين يوما، مع اختصار الآجال بالنسبة للمشاريع الاستثمارية.

بالإضافة إلى ذلك، تم التركيز على تطوير قنوات إلكترونية لاستقبال ومعالجة وتسليم القرارات الإدارية، مع إلزام الإدارات بنشر مصنفات القرارات الإدارية بشكل واضح ومنظم يسهل على المرتفقين الوصول إليها.

مشاريع مهيكلة ومواكبة تنظيمية

ترافق مع إصدار القانون جملة من التدابير الميدانية لضمان تفعيله، من بينها:إعداد مصنفات إدارية إلكترونية موحدة.تشكيل اللجنة الوطنية لتبسيط المساطر الإدارية تحت إشراف رئيس الحكومة.تنظيم برامج تكوينية واسعة لفائدة موظفي الإدارات المركزية والجماعات الترابية.إصدار دلائل عملية لتوحيد المساطر وتوجيه مختلف القطاعات الوزارية نحو الالتزام بتطبيق القانون.كما تم تطوير شبكة مؤشرات لرصد تقدم الإدارات في تفعيل المساطر المبسطة، وقياس رضا المرتفقين عن جودة الخدمات العمومية المقدمة.

تعثر في التطبيق وضعف في التنزيل

رغم هذه الدينامية التنظيمية، يؤكد تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات أن التطبيق الميداني للقانون يعرف تعثرا ملحوظا. فعلى أرض الواقع، ما زال العديد من الإدارات يفرضون وثائق وشواهد سبق أن نص القانون على حذفها، مثل شهادة عدم الزواج وعدم العمل. كما تستمر بعض المصالح في مطالبة المرتفقين بتصحيح الإمضاء وتقديم نسخ متعددة من نفس الملف الإداري.

هذا الواقع، بحسب التقرير، يعكس الشرخ الكبير بين ما تنص عليه النصوص القانونية وما تمارسه الإدارة فعليا. فبينما يروج الخطاب الرسمي لإدارة مواطنة مبسطة، يواجه المرتفقون إدارة واقعية تتشبث بممارسات بيروقراطية قديمة تكرّس التعقيد والإرهاق الإداري.

مركزية القرار وازدواجية التعليمات

توقف التقرير أيضا عند استمرار منطق المركزية الإدارية، حيث تظل العديد من القرارات بيد الإدارة المركزية رغم دعوات تفويض الصلاحيات إلى المصالح الترابية. هذا الوضع يؤدي إلى تراكم الطلبات وتعطيل مصالح المرتفقين، خاصة عندما يتعلق الأمر بطلبات ذات طابع استعجالي.

كما أن الإدارة، حسب التقرير، ما زالت تمنح الأسبقية للتعليمات الشفوية والإدارية على حساب النصوص القانونية. في بعض الحالات، يطالب الموظفون المرتفقين بإجراءات إضافية بدعوى “تعليمات الرئيس المباشر” رغم مخالفتها لمقتضيات القانون.

تفاوتات بين الإدارات وتباين في الالتزام

أبرز التقرير أن الالتزام بتطبيق القانون 55.19 يختلف من إدارة إلى أخرى. فقد أظهرت الإدارات الأمنية مثل مصالح جوازات السفر والبطاقة الوطنية تجاوبا أكبر مع ورش التبسيط. في المقابل، ما زالت بعض الإدارات المدنية تحتكم إلى منطق التأخير والمماطلة، بل إن بعضها لا يعترف بالمستجدات القانونية التي أقرها التشريع الجديد.

في الوقت الذي كان من المفترض أن تشكل الرقمنة رافعة أساسية لتبسيط المساطر، سجل التقرير أن العديد من الإدارات ما زالت تشتغل بالطرق التقليدية، ولا تعترف بالوصلات الإلكترونية أو المواعيد المحجوزة عبر الإنترنت، ما يدفع المرتفقين لإعادة المسطرة من جديد بشكل يدوي. هذا التداخل بين الرقمي والورقي يُفقد عملية التبسيط فعاليتها، ويُعمق الهوة بين طموحات الرقمنة والواقع الإداري اليومي.

نقص في الضمانات القانونية والتحفيز الإداري

أكد التقرير أن القانون رقم 55.19 أغفل التنصيص بوضوح على الاعتراف بالقرارات الإدارية الإلكترونية، ما يفرغ ورش الرقمنة من مضمونه العملي. كما أن القانون لم يتضمن تدابير زجرية واضحة ضد الموظفين الذين يعرقلون تطبيقه، كما لم يضع آليات تحفيزية لتشجيع الانخراط الطوعي في مسار تبسيط المساطر.

وبحسب التقرير، فإن الإدارة المغربية ما زالت تعاني من جيوب مقاومة بيروقراطية تفضل الحفاظ على ممارساتها التقليدية بدل التجاوب مع التحولات المطلوبة.

يخلص تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى أن ورش تبسيط المساطر الإدارية في المغرب يحتاج إلى نفس جديد وجهود أكبر لتجاوز معيقات التطبيق وضمان التفعيل الحقيقي للقانون. كما دعا التقرير إلى:توضيح الإطار القانوني للقرارات الإدارية الإلكترونية.تفعيل آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة في حالة التلكؤ أو العرقلة. تسريع تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري لتقريب القرار من المرتفقين. مراجعة الثقافة التدبيرية داخل الإدارة المغربية من أجل بناء علاقة جديدة قائمة على الثقة والنجاعة.

يبقى الرهان الأساسي هو تحقيق إدارة في خدمة المواطن والمستثمر، لا إدارة تعيد إنتاج المتاهة الإدارية نفسها بمسميات جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى