السمك يعود لرفوف الأغنياء.. مبادرة الحكومة تنهار أمام الواقع

نجوى القاسمي

شهدت الجلسة البرلمانية الأخيرة بمجلس النواب نقاشا بشأن واقع قطاع الصيد البحري وأسعار السمك في السوق الوطنية، حيث قدم النائب مصطفى الشنتوف عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية تعقيبا  عبر فيه عن قلقه من استمرار ارتفاع أسعار السمك واختلالات منظومة التوزيع، مشددا على أن المبادرات الحكومية “اللحظية” لم تحدث أثرا مستداما على جيوب المواطنين.

وقال الشنتوف في تعقيبه إن الدولة تشرف على قطاع حيوي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إلا أن هذا القطاع لا يزال يعاني من غياب الإبداع والمبادرة المؤسساتية الكفيلة بجعله رافعة حقيقية للتشغيل والاستثمار.

وأوضح أن استهداف أسعار معقولة للسمك ليس هدفا في حد ذاته، بل مدخل لضمان الأمن الغذائي وتحريك سوق الشغل، مؤكدًا أن المعدل السنوي لاستهلاك السمك لدى المواطن المغربي لا يتجاوز 10 كيلوغرامات، وهو رقم متواضع جدا مقارنة بالمعدلات الدولية.

وانتقد الشنتوف غياب الاستمرارية في مبادرة “الحوت بثمن معقول” التي روج لها بكثافة خلال شهر رمضان، مع تسخير موارد بشرية ولوجستية هامة، من شاحنات وثلاجات وخيام بالأحياء الشعبية.

غير أن هذه المبادرة، حسب تعبيره، ما إن انتهى شهر رمضان حتى اختفت، وقفزت الأسعار من جديد، ليبلغ سعر السردين بالأحياء الشعبية حدود 20 درهما للكيلوغرام، وعادت ظاهرة الشناقة للتحكم في السوق من جديد.

وأشار المتحدث إلى أن الوضع الاقتصادي الصعب، وارتفاع أسعار المحروقات، وتحرير سوقها منذ سنة 2015، كلها عوامل عمّقت من معاناة المهنيين والمستهلكين على حد سواء، رغم وجود إعفاءات ضريبية موجهة لسفن الصيد الوطنية بموجب مرسوم يعود إلى سنة 1985 لا يزال ساري المفعول.

وفي ردها على تعقيب النائب الشنتوف، أكدت كاتبة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري  زكية الدرويش أن الوزارة واعية تماما بالصعوبات التي يعرفها السوق الوطني للسمك، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار يعود لعوامل خارجية وداخلية مركبة، من بينها ارتفاع كلفة الإنتاج، وتقلص العرض أحيانا، وتعدد الوسطاء، نافية في الوقت ذاته أن تكون الحكومة قد تخلت عن التزاماتها.

في وقت كانت فيه المبادرة الحكومية “الحوت بثمن معقول” محط إشادة من قبل الحكومة وأغلبيتها البرلمانية، ورصدت لها إمكانيات لوجستية ، يبدو أن هذه المبادرة لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي بعد رمضان، حيث سرعان ما عاد الواقع ليفرض منطقه، وارتفعت أسعار السمك بشكل صادم، ليصل ثمن السردين في بعض الأحياء الشعبية إلى 20 درهمًا للكيلوغرام الواحد.

وإذا كانت هذه المبادرة قد شهدت إقبالا نسبيا خلال شهر رمضان، فإن نهايتها كشفت عن غياب رؤية مستدامة وفشل في كسر هيمنة الوسطاء والسماسرة الذين لا يتردد الشارع في وصفهم بـالشناقة، والذين يسيطرون على حلقات التوزيع من الميناء إلى السوق.

الأدهى من ذلك أن بعض من دخلوا القطاع حديثا ممن لا علاقة لهم بمهنة بيع السمك، وجدوا فيه فرصة للربح السريع، بفضل هوامش أرباح وصفت بالباهظة والخيالية، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الحكومة على ضبط السوق ومنع تغوله.

ويواجه المستهلك المغربي اليوم ندرة في العرض وغلاء في الأسعار، إذ تضاعفت أثمنة بعض أنواع الأسماك بأكثر من 100%، في ظل غياب أي مظهر من مظاهر الرقابة أو التتبع الجدي. ليطرح السؤال 
هل كانت “الحوت بثمن معقول” مبادرة ظرفية موسمية؟ أم أنها كانت حملة علاقات عامة موجهة لربح النقاط السياسية في لحظة محددة فقط؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى