الغلوسي.. المحكمة الدستورية تُعيد للدولة عقلها أمام انحرافات حكومة المال والنفوذ

حسين العياشي
اعتبر محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أن قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون المسطرة المدنية يمثل لحظة فارقة في التصدي لمحاولات التحكم في القضاء وتقويض ضمانات المحاكمة العادلة. وقال الغلوسي إن المحكمة الدستورية، بهذا القرار، أعادت للدولة عقلها حين تصدت لانحرافات حكومة وصفها بـ”زواج السلطة بالمال”، والتي جنحت إلى شرعنة قوانين تهدد الأمن القضائي وتمس جوهر العدالة.
كما ركّز بشكل خاص على المادة 17 من قانون المسطرة المدنية، والتي كانت –حسب تعبيره– بمثابة قنبلة موقوتة في قلب النظام القضائي، لأنها منحت النيابة العامة سلطة مطلقة للطعن في الأحكام النهائية دون تقييد زمني. وأكد أن مثل هذا المقتضى يُفرغ الأحكام القضائية من حجيتها، ويدفع المتقاضين إلى الشعور بأن حقوقهم أضحت معلّقة على كف عفريت، في وقت يُفترض أن يكون الحكم النهائي عنوانًا للاستقرار القضائي والأمن القانوني.
ولم يتوقف الغلوسي عند هذا الحد، بل أشار إلى مواد أخرى وصفها بالكارثية، من بينها المادة 84 التي وسّعت من صلاحيات التبليغ القضائي على حساب حقوق الدفاع، معتبرًا أن ما كانت الحكومة تروج له بخصوص “حل معضلة التبليغ”، جاء على حساب المتقاضين، وفي خرق سافر لشروط المحاكمة العادلة. وعلّق بمرارة على تصريحات وزير العدل، الذي تحدّث عن إمكانية التبليغ عبر رسائل الهاتف أو حتى شركات توصيل الطلبات، واصفًا ذلك بـ”الهذيان التشريعي” الذي لا يليق بدولة تحترم نفسها ومؤسساتها.
وتابع انتقاداته الحادة بالقول إن المحكمة الدستورية تصدت أيضًا لمواد خطيرة مثل 107 و364، التي كانت تسعى لمنع الدفاع من الرد على مستنتجات المفوض الملكي، وهو ما اعتبره انتهاكًا صارخًا للحق في الدفاع، وضربًا لمبادئ العدالة الراسخة في الدستور والمواثيق الدولية.
الغُلوسي لم يتردد في تحميل الحكومة الحالية المسؤولية عن هذا الانحراف، وقال صراحة: “الحكومة ليست هي الدولة”، فالدولة هي الضامنة للشرعية والمكتسبات الحقوقية، أما الحكومة فقد تحوّلت إلى أداة في يد نخبة ريعية تسعى إلى تقنين الفساد وتحصين الفاسدين.
في السياق ذاته، أشار إلى مفارقة خطيرة في سلوك هذه الحكومة، حيث منحت النيابة العامة صلاحيات واسعة للطعن في الأحكام النهائية حين يتعلق الأمر بالمواطنين البسطاء، لكنها بالمقابل، قيدت تحركاتها كلما تعلق الأمر بملاحقة ناهبي المال العام، كما هو الحال في المادة 3 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، التي وصفها بأنها “خنجر مسموم” في قلب العدالة الجنائية، لأنها تمنع النيابة العامة من تحريك المتابعات ضد المتورطين في جرائم مالية جسيمة.
وتأسيسا على ما سبق، دعا الغلوسي باسم الجمعية المغربية لحماية المال العام إلى إحالة مشروع قانون المسطرة الجنائية بدوره على المحكمة الدستورية، مؤكداً أن المادتين 3 و7 تمثلان محاولة مكشوفة لتحصين المتورطين في الفساد ونهب المال العام، وتُجسدان انحرافًا تشريعيًا خطيرًا يُسيء إلى صورة المغرب، وينتهك التزاماته الدولية، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وختم بالتحذير من خطورة استغلال السلطة التشريعية لخدمة مصالح ضيقة، معتبرًا أن ما يجري اليوم هو انقلاب ناعم على قواعد العدالة وفصل السلط، مطالبًا بحوار وطني حقيقي لإصلاح المنظومة القضائية والتشريعية بما يُعيد الثقة للمواطن في قضاء مستقل وفعال، يعلو فيه صوت القانون فوق كل الحسابات.





