من بين الأنقاض وألسنة اللهب.. رجال الوقاية المدنية أول الواصلين وآخر المغادرين

حسين العياشي

في كل أزمة تمر بها البلاد، وفي كل كارثة طبيعية أو حادث مأساوي، يطل علينا رجال الوقاية المدنية بزيهم الأسود المميز، وعيونهم المليئة بالعزم، وقلوبهم التي لا تعرف الخوف. هم أول من يصل إلى موقع الخطر، وآخر من يغادره، يحملون على عاتقهم أثقل المهام وأخطرها، من إنقاذ الأرواح إلى مواجهة ألسنة اللهب، ومن انتشال العالقين تحت الأنقاض إلى تقديم الإسعافات للمصابين في لحظات حاسمة.

الأحداث الأخيرة التي شهدها المغرب كانت امتحاناً صعباً، لكنها في الوقت نفسه كانت شاهداً على عظمة أبناء هذا الجهاز. في الزلزال الذي ضرب بعض مناطق المملكة، رأيناهم يحفرون بين الركام، بأيديهم إذا لزم الأمر، لا يكلّون ولا يملّون، يتسابقون مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي حرائق الغابات، تحدوا ألسنة النيران التي تلتهم الأخضر واليابس، واقتربوا منها بما يكفي ليوقفوا زحفها ويحافظوا على الأرواح والممتلكات.

ورغم قسوة الظروف، يظل هؤلاء الجنود المجهولون بعيدين عن الأضواء، نادراً ما يُسلط الإعلام الضوء على تضحياتهم، أو تُمنح لهم المساحات التي يستحقونها في وجدان المغاربة. هم لا يطلبون شكراً ولا يبحثون عن شهرة، لكنهم يستحقون كل التقدير، لأنهم ببساطة “حراس الحياة”.

إن رد الاعتبار لرجال الوقاية المدنية لا يكون بالكلمات فقط، بل بالاعتراف الفعلي بمكانتهم، وتوفير الإمكانيات والوسائل الحديثة التي تُمكنهم من أداء مهامهم في أفضل الظروف، إلى جانب تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية بما يتناسب مع حجم المخاطر التي يواجهونها يومياً.

في النهاية، قد ننسى تفاصيل الكوارث بعد مرور الزمن، لكننا لن ننسى أبداً صورة ذاك المنقذ الذي مد يده وسط الظلام، أو ذاك المسعف الذي ضم طفلاً يبكي ليطمئنه، أو ذاك الإطفائي الذي عاد من مهمته مغطى بالغبار والعرق والنار، وهو يبتسم لأنه أنقذ روحاً. هؤلاء هم رجال الوقاية المدنية، أبناء هذا الوطن الذين يواجهون الموت كي نحيا نحن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى