هل التنمية للفقراء أم للأغنياء؟.. سؤال من قلب “جوطية وجدة” إلى أصحاب القرار

وجدة: زوجال قاسم
“31عاما يا سيدي”، بهذه العبارة الممزوجة بالمرارة والإصرار، يختزل أحد الباعة المتجولين حكايته الطويلة على أرصفة سوق السلع المستعملة بالمدينة الحدودية، أو ما يعرف عند لوجادة بـ “الجوطية”، ثلاثة عقود قضاها بعض الباعة بين أرصفة “الجوطية المتواضعة”، شاهدين على تحولات شكل المدينة ورونقها، وتغير المسؤولين من منصب إلى منصب، مع بقاء حال الباعة وزملائهم على ما هو عليه، في انتظار مستقبل لم يأتِ بعد.
في هذا السوق الذي يمثل شريان الحياة للطبقات المتوسطة والفقيرة، “تجد كل شيء، وتبيع كل شيء”، كما يصفه البائعون، هنا لا توجد سلع معينة لماركات عالمية، بل هو فضاء مفتوح لمن يبحث عن فرصة بيع، أو شراء بسعر زهيد، لكن خلف هذه الحركة الظاهرية، تكمن حكايات من الكفاح اليومي والتهميش الممنهج، لأفراد من المجتمع، قذفهم القدر إلى هامشه.
“لأنني في المغرب”… جواب يختزل المعاناة
عند سؤاله عن سبب بقائه في المكان نفسه لأكثر من ثلاثين عاما، يأتي جواب يحيى اسم مستعار، قاطعا وحازما “لأنني في المغرب، لو كنت في دولة أخرى، لربما كان لدي مستقبل آخر، مساعدة ما”، يعكس هذا التصريح شعورا عميقا بالخذلان، حيث يرى أن “الجوطية” في أماكن أخرى من العالم تكون منظمة وتحفظ حقوق العاملين فيها، أما في المدينة الحدودية، فيشعر بأن “كل شيء فيها مهمش”.
هذا الشعور بالتهميش يتفاقم مع كل دورة انتخابية، يتحدث البائع بلسان حال الكثيرين عن الوعود التي تُطلق ثم تُنسى، وعن المترشحين الذين لا يتذكرون وجوه ناخبيهم إلا عند اقتراب موعد الاقتراع، يقول بنبرة تحد واستنكار” أقولها للمنتخبين مباشرة ليسمعوها: لماذا تنتخب نفسك؟ أنت تنتخب لتقضي مصالحك فقط، هل نظرت يومًا إلى الشعب؟”، مضيفا، أنه لم ينتخب يوما اسما ما، لأنه يعرف “النهاية مسبقا”، حسب قوله.
وصمة “سوق اللصوص”.. معركة الكرامة ضد الصورة النمطية
لا تقتصر معاناة هؤلاء الباعة على الفقر والتهميش، بل تمتد إلى وصمة اجتماعية مؤلمة، يكشف أحد الباعة داخل السوق التقليدي عن التسمية الجارحة التي تلاحقهم: “يسمونه سوق الشفارة (اللصوص)”، ويتساءل بحرقة: “نريد أن نعرف، هل نحن من يبيع هنا لصوص، أم أننا نبيع فيه المسروقات؟”.
هذه النظرة القاصرة تتجاهل حقيقة أن هؤلاء الباعة هم أنفسهم ضحايا للسرقة، وأنهم أول من يحارب هذه الظاهرة، يؤكد أحدهم، أنهم يحاربون هذه الظاهرة بأنفسهم، وأنهم يلجؤون إلى تسليم أي مشتبه به للسلطات: “نحن من يسلم المشتبه بهم للشرطة، لقد قمنا بتركيب كاميرات لحماية أنفسنا وزبائننا”.
بالنسبة لهم، السوق ليس وكرا للجريمة، بل ملاذ أخير لآلاف الأسر التي تعيل أطفالها من “تجارة الدراوش”، حيث يمكن لطالب أن يشتري كتبه، ولشاب أن يقتني ملابس لائقة بسعر في متناول يده، ولأرملة أن تقتني ما تحتاجه من أفرشة، وأجهزة منزلية، وفق سيولتها المالية.
مطالب من تحت الشمس.. بين حلم التنظيم وكابوس الهدم
محاولاتهم لتنظيم أنفسهم لم تتوقف، لكنها كانت تصطدم دائما بجدار التجاهل واللامبالاة، “أسسنا أكثر من جمعية، وذهبنا إلى الجماعة والولاية، وتحدثوا معنا، ولكن في النهاية لا يوجد شيء”، يقول بائع آخر، ويضيف بمرارة: “قدمت خمس شهادات (دبلومات) لعلّي أجد أي عمل، حتى لو اشتغلت حارسا فقط، لأكسب قوت أولادي، ولكن لا حياة لمن تنادي”.
كفاحهم من أجل لقمة العيش، يواجه اليوم تهديدا وجوديا، مع انتشار شائعات عن هدم السوق، يتساءل أحدهم بخوف حقيقي: “يقولون إنهم سيهدمون السوق، فأين نذهب؟ هل نذهب لبيع الحشيش والمخدرات؟ سيأخذوننا إلى السجن، لو وضعنا عربة سيأخذونها، إذن ماذا نفعل؟”.
رغم سنوات الانتظار، لا يزال الأمل يراود هؤلاء الباعة في مستقبل أفضل، مطالبهم ليست مستحيلة، بل تتلخص في تنظيم السوق وتوفير محلات، أو أكشاك لائقة “مقننة” وبإيجار رمزي، ليعبر أحدهم عن أمنيته بأن يقال لهم من لدن المسؤولين في الآونة القريبة: ” هذه محلاتكم، اعملوا فيها تجارة نظيفة”، مما يؤكد أنهم على استعداد للتعاون مع أي جهة كيفما كانت، للمساهمة في بناء سوق نموذجي يضمن لهم كرامتهم، ويخرجهم من دائرة العشوائية، ويقيهم حر الصيف، وقساوة البرد.
سؤال التنمية المعلق
في نهاية المطاف، تتجاوز قصة “الجوطية” حدود السوق لتطرح سؤالا أعمق حول العدالة الاجتماعية، التي تتغنى بها حكومة أخنوش، حيث يختم أحد الباعة المخضرمين حديثه بقصة شخصية تلخص كل شيء، لكونه يعاني من مرض مزمن منذ عام 1997، ولا يزال يُطالب بدفع تكاليف علاجه في المستشفى الحكومي.
ويتساءل في الأخير، مع القائمين على شؤون مدينة الألفية حول التنمية التي يكررونها في خطاباتهم، “التنمية التي يتحدثون عنها، هل هي للأغنياء أم للفقراء؟”، سؤال يظل معلقا في فضاء السوق المفتوح، كأحلام بائعيه الذين أفنوا أعمارهم على أرصفته، في انتظار أن تلتفت إليهم عجلة التنمية التي يسمعون عنها، والذين لا يطلبون سوى حقهم في سوق منظم وكرامة إنسانية محفوظة.
ومع غروب الشمس على سوق “الجوطية”، يحمل الباعة معهم بضائعهم المتبقية وقصص يوم آخر من الصمود، ينتظرون تفعيل مطالبهم بتوفير محلات لائقة، ليست طلبا للرفاهية، بل هي صرخة من أجل الاعتراف بهم كجزء فاعل من النسيج المجتمعي، وإلى أن يتم الاستماع لهذه الصرخة، ستبقى “الجوطية” شاهدة على الفجوة بين خطابات التنمية الشاملة التي يتبناها المنتخبون في المدينة، وواقع أناس لا يطلبون سوى فرصة عادلة لكسب قوت يومهم.





