يوم حاكمتني اللجنة المعلومة !

اشرف بلمودن – إعلام تيفي

لم يعد خافيا على أحد أن لجنة الأخلاقيات في اللجنة المؤقتة لتسيير المجلس الوطني للصحافة المنتهية ولايتها، تعيش مأزقا عميقا، لا يتعلق فقط بقراراتها، بل بروحها، وبالطريقة التي تتعامل بها مع فكرة الأخلاق ذاتها، حيث أن ثمة انطباع عام يزداد اتساعا يوما بعد يوم بأن هذه اللجنة لم تستطع أن تمنح المهنة ما كانت تتطلع إليه من رصانة مؤسساتية، وأن ما كان يفترض أن يكون رافعة للنزاهة المهنية أصبح، في لحظات كثيرة، عبئا على هذه النزاهة نفسها.

أقول هذا عن قرب، لا من مسافة التأويل… أكثر من مرة مررتُ أمام تلك اللجنة المعلومة، وفي إحدى المرات وجدتُ نفسي أمام أسئلة لا تُشبه ما يُطرح داخل مؤسسات تعنى بالأخلاقيات المهنية.

لقد طلبوا مني وثائق ومعطيات خاصة وشخصية، واستفسارات لا تمت بصلة إلى ممارسة صحافية.. لم أُسأل عن مقال كتبتُه، ولا عن خطأ مهني ارتكبته، بل عن أشياء شخصية لا مكان لها في أي نقاش مهني.

وكان واضحا أن الشكاية التي استندوا إليها لم تكن سوى واجهة، وأن خلفها هكذا علاقات ومصالح وروابط تجمع صاحبها ومن معه ببعض من يجلس حول تلك الطاولة، بما يحوّل الأخلاق إلى “ملف مُعالج”.

شعرت يومها أن المشهد لا ينقصه الانضباط فقط، بل ينقصه احترام القاعدة البسيطة التي تجعل الأخلاق إطارا فوق الجميع، لا أداة في يد البعض… أحسستُ أن مفهوم الأخلاق لديهم ليس منظومة قيم، بل مساحة تُفتح وتُغلق تبعاً لولاءات واعتبارات جانبية، لا علاقة لها بالصحافة كمهنة ولا بالصحافي كفاعل عمومي.

ولعل ما فرض على الرأي العام أن يشاهده مؤخرا لم يكن سوى امتداد طبيعي لهذا الخلل البنيوي. غير أن الصدمة كانت أكبر لأنها خرجت إلى العلن.

لقد فكّر الجميع بصوت مسموع: كيف وصلت اللجنة المكلفة بحماية شرف المهنة إلى هذه الدرجة من التخبط؟ وكيف سمحت لنفسها بأن تظهر بهذا القدر من الارتباك.. الجواب، في تقديري، لا يتعلق بالواقعة نفسها، بل بما سبقها من تراكمات لم تُعالَج، ومن اختلالات ظلت تُرحّل من سنة إلى أخرى.

في خضم هذا، يبرز الصحافي حميد المهداوي الذي اختار أن يضع المصباح في زاوية تُفضّل اللجنة أن تبقى معتمة… أحترم فيه أنه لم يكتفِ بالانفعال، بل كشف عن واقع يعرف كثيرون خباياه، وإن لم يقولوه.. لم يكن بحاجة إلى كثير من الكلمات ليُظهر أن ما يحدث داخل اللجنة لا يليق بمهنة يُفترض أن تكون عماد الشفافية والثقة العامة.

إن المهنة اليوم في حاجة إلى هيئة أخلاقية تُعيد للصحافة معناها، لا إلى لجنة تُعمّق الإحساس بالمسافة بين النص والممارسة. الحاجة ليست إلى عقوبات بقدر ما هي إلى حكمة واستقلال فعلي، وإلى مناخ يسمح بأن يشعر الصحافي بأن كرامته المهنية مصانة، حتى حين يُخطئ.

إن ما جرى ليس سوى تذكير بأن التنظيم الذاتي للصحافة لا يمكن أن يستمر على هذا المنوال، ولا يمكن للأخلاق أن تُدار بمنطق “الشناقة”.

لقد آن الأوان لأن تستعيد الصحافة المغربية ثقتها في أدواتها التنظيمية.

فالمهنة التي لا يحميها ضميرها المهني، لن يحميها أي قانون.
والصحافة، حين تُصان كرامتها ويُصان استقلالها، تصبح رافعة للدولة وشريكا في بناء الثقة، لا سببا في اهتزازها.. وهذه مسؤولية لا تقبل التأجيل، لأن المهنة التي لا تستعيد احترامها الداخلي لن تستطيع أن تمنح الاحترام الذي تستحقه في أعين الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى