بعد تشكيل المكتب السياسي.. الاتحاد الاشتراكي على صفيح ساخن ونزيف الاستقالات يتواصل

حسين العياشي
ما إن أُعلن عن تشكيلة المكتب السياسي الجديد لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حتى وجد الحزب نفسه في قلب عاصفة تنظيمية حادة، سرعان ما تحولت من تململ مكتوم إلى موجة استقالات أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول أسلوب القيادة، وحدود الديمقراطية الداخلية، ومآلات التدبير الحزبي في عهد إدريس لشكر.
فبعد مصادقة المجلس الوطني، في أول دورة له عقب المؤتمر الوطني الثاني عشر، على لائحة المكتب السياسي، بدأت مؤشرات الغضب تتسرب من داخل البيت الاتحادي. لائحة اعتبرها معارضون داخل الحزب تتويجًا لمنطق الإقصاء، وإعادة ترتيب المواقع على أساس القرب والولاء، أكثر مما هي استحضار للتراكم النضالي والكفاءة السياسية. وبدا واضحًا، وفق مصادر اتحادية، أن استبعاد أسماء وازنة راكمت حضورًا تنظيميا وسياسيًا لسنوات، مقابل الدفع بوجوه جديدة، خلق شعورًا واسعًا بأن الحزب دخل مرحلة “إعادة هندسة” لا تشبه تاريخه ولا تقاليده النضالية.
هذا الاحتقان لم يلبث أن خرج إلى العلن، مترجمًا في أولى تجلياته باستقالة محمد أبودرار، المنسق الجهوي للحزب بجهة كلميم وادنون، من مهامه التنظيمية ومن عضويته بالمجلس الوطني. خطوة اعتُبرت داخل الحزب كسرًا لجدار الصمت، ودليلًا على عمق الأزمة، خاصة أنها تزامنت مع غياب اسمه عن التشكيلة الجديدة للمكتب السياسي، وما رافق ذلك من حديث عن تهميش تمثيلية الجهة داخل أجهزة القرار.
ومع توالي الأيام، لم تتوقف الارتدادات عند هذا الحد، إذ لحقتها قرارات انسحاب واستقالة أخرى من هياكل الحزب، شملت مقررين وأعضاء في المجلس الوطني وأطرًا شابة. بعض هذه الخطوات أُعلن عنها بشكل مباشر، فيما فضّلت أخرى الانسحاب بهدوء، في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع. غير أن القاسم المشترك بينها، بحسب مصادر اتحادية، يتمثل في الإحساس المتزايد بتراجع منسوب الثقة في مسار التدبير، وتحول الأجهزة الحزبية إلى واجهات شكلية تُستدعى للمصادقة على قرارات مُتخذة سلفًا.
وفي موازاة ذلك، اتسع النقاش الداخلي ليطال طبيعة التشكيلة الجديدة نفسها، خاصة مع بروز أسماء تجمعها صلات قرابة بقيادات بارزة، وفي مقدمتها الكاتب الأول، مقابل إبعاد وجوه تنظيمية وإعلامية معروفة. معطى غذّى اتهامات بتكريس منطق “التوريث السياسي” داخل حزب لطالما قدّم نفسه كمدرسة للنضال الديمقراطي، وأعاد إلى الأذهان موجات استقالة سابقة سبقت المؤتمر الوطني، وصلت في بعض مراحلها إلى مئات المغادرين، ورافقتها محاولات لتأسيس بدائل سياسية خارج عباءة الاتحاد.
في المقابل، دافع إدريس لشكر عن اختياراته، معتبرًا أن استكمال هياكل الحزب تم في احترام تام للقوانين الداخلية، وبروح تسعى إلى التوفيق بين الاختلاف والتوافق، مع مراعاة معايير الكفاءة والتنوع. غير أن هذا الخطاب، إلى حدود الساعة، لم ينجح في تهدئة غضب شريحة واسعة من الاتحاديين، الذين يرون فيما جرى حلقة جديدة في مسلسل تضييق طويل على الأصوات المنتقدة، وإفراغ تدريجي للمؤسسات من أدوارها الرقابية والتقريرية.
ويأتي هذا الزلزال التنظيمي في لحظة سياسية دقيقة، يستعد فيها الاتحاد الاشتراكي لاستحقاقات انتخابية مفصلية، في سياق تنافسي محتدم وإعادة رسم للخريطة الحزبية. وهو ما يجعل، وفق مصادر من داخل الحزب، نزيف الاستقالات، المعلنة منها والصامتة، أبعد من مجرد أزمة عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة “حزب الوردة” على ترميم بيته الداخلي واستعادة ثقة قواعده.
وبين من يرى فيما حدث “حسمًا تنظيميًا” ضروريًا، ومن يعتبره بداية تفكك بطيء، يظل السؤال معلقًا داخل أوساط اتحادية واسعة: هل يشكل هذا المخاض مقدمة لإعادة بناء حقيقية، أم أن الاتحاد الاشتراكي يدفع، مرة أخرى، ثمن صراعاته الداخلية وطريقة تدبير قيادته، في ظل استمرار إدريس لشكر على رأس الحزب لولاية رابعة ما تزال تثير جدلًا واسعًا داخل التنظيم وخارجه؟





