المشاركة في القرار العمومي تتصدر أحلام الشباب وتكشف اختلالات التعليم والشغل والصحة

إعلام تيفي ـ دراسة

كشفت دراسة ميدانية حديثة عن شعور متزايد لدى المغاربة، خصوصًا فئة الشباب، بالتهميش والإقصاء عن دوائر اتخاذ القرار العمومي، معتبرين أن غياب المشاركة المواطِنة الفعلية يشكل أحد أبرز أعطاب العلاقة بين المجتمع والمؤسسات.

هذا المطلب، الذي تصدر أحلام المشاركين، يرتبط، بحسب التقرير، بالسعي إلى ديمقراطية حية تقوم على التشاور والإنصات، وتعيد بناء الثقة المفقودة بين المواطن وصانع القرار.

وأبرز التقرير، الذي أعدته “حركة مواطنون” تحت عنوان “باش كيحلمو المغاربة”، أن إشراك المواطنين في بلورة السياسات العمومية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى جانب تطلعات أخرى تتعلق بالتعليم، والشغل، والصحة. وقد شارك في هذه الدراسة 2399 مواطنة ومواطنًا، بمتوسط عمر بلغ 21 سنة، من خلال جولة وطنية لمقاهي المواطنة شملت 66 مدينة بمختلف جهات المملكة، إضافة إلى أربع لقاءات مع مغاربة العالم، حيث تم جمع وتحليل 1212 حلمًا.

وفي هذا السياق، عبّر الشباب المشاركون عن إحباطهم من ضعف قنوات التواصل مع المؤسسات العمومية، ومن محدودية آليات الديمقراطية التشاركية، مطالبين بإحداث فضاءات مؤسساتية فعلية من قبيل المجالس الشبابية، واعتماد الميزانيات التشاركية، وإطلاق منصات رقمية للتشاور العمومي.

واعتبر التقرير أن هذه الآليات تشكل مدخلًا أساسيًا لإحياء المشاركة السياسية، وترسيخ الشعور بالمواطنة الكاملة، وجعل الشباب فاعلًا حقيقيًا في صياغة القرار العمومي.

وعلى مستوى التعليم، أظهرت نتائج الدراسة أن الشباب ينظرون إلى المدرسة باعتبارها حجر الأساس لأي تحول اجتماعي أو اقتصادي، غير أنهم عبّروا عن استيائهم من هشاشة البنيات التحتية، وعدم ملاءمة البرامج التعليمية لسوق الشغل، فضلا عن الفوارق الصارخة بين الوسطين الحضري والقروي. وطالب المشاركون بمدرسة حديثة، دامجة وتشاركية، تشجع على التفكير النقدي، وتحفّز الإبداع، وتُحسّن قابلية التشغيل.

أما في ما يخص الشغل، فقد كشفت أحلام الشباب عن تطلعهم إلى فرص عمل كريمة ووظائف مستقرة، في ظل اعتبار البطالة والهشاشة المهنية من أبرز مصادر القلق وعدم الاستقرار الاجتماعي.

ونبّه التقرير إلى أن العمل لا يُنظر إليه فقط كمصدر للدخل، بل كشرط للكرامة والاستقلالية، ما يفسر المطالبة بتيسير الولوج إلى التمويل، ومواكبة حقيقية للمبادرات الفردية وريادة الأعمال، خاصة لدى الشباب.

وفي الجانب الصحي، نبه المشاركون إلى اختلالات عميقة تطبع نظام الرعاية الصحية، سواء من حيث الفوارق المجالية أو ضعف جودة الخدمات، مع تسجيل قلق متزايد بشأن الصحة النفسية، في ظل تنامي مشاعر العزلة والضغط النفسي.

ودعا الشباب إلى خدمات صحية عمومية قريبة وشاملة، تركز على الوقاية والعلاج والدعم النفسي، بما يساهم في تقليص الفوارق وتحقيق الرفاه الفردي والجماعي.

وخلص معدو التقرير إلى أن مجمل هذه التطلعات تعكس سعيًا واضحًا نحو الكرامة، سواء عبر التعليم أو الشغل أو العدالة الاجتماعية أو المشاركة في القرار العمومي، مؤكدين أن الشباب يطالبون بأن يُنظر إليهم كمواطنين كاملي الحقوق لا كمجرد مستفيدين من سياسات عمومية جاهزة. كما شدد التقرير على أن الثقة والشفافية والمشاركة تشكل الركائز الأساسية لإعادة وصل ما انقطع بين المؤسسات والمجتمع.

وبخصوص الانفتاح على المستقبل، أظهر التقرير أن مخاوف الشباب المرتبطة بالصحة العقلية والبيئة تكشف وعيًا متقدمًا بتحديات القرن الحادي والعشرين، وتطلعًا إلى نموذج تنموي أكثر إنصافًا واستدامة، يتجاوز التدبير الظرفي للأزمات نحو سياسات عمومية تشاركية تستحضر الإنسان في صلب أولوياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى