فيضانات آسفي تكشف ثغرات قانون التعويضات.. حليم يطالب بتعديل عاجل للمساطر

حسين العياشي

أعادت الفاجعة التي خلفتها فيضانات آسفي، بما صاحبها من خسائر بشرية ومادية موجعة، إلى الواجهة نقاشًا مؤجّلًا حول مدى نجاعة الإطار القانوني المنظم لتعويض ضحايا الكوارث الطبيعية، وفي صلبه القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية. فمع كل مأساة جديدة، يتجدد الإحساس الجماعي بأن الهوة ما تزال قائمة بين النصوص القانونية المكتوبة بلغة التضامن، وواقع المتضررين الذين يواجهون الفاجعة وحدهم، في انتظار مساطر طويلة قد لا تنتهي بتعويض فعلي.

هذه العودة القسرية للنقاش لا تنبع فقط من حجم الخسائر، بل من الشعور المتنامي بأن منطق الحماية الاجتماعية الذي بُني عليه هذا النظام يصطدم، عند أول اختبار ميداني، بتعقيدات قانونية وإدارية تُفرغ فلسفته من مضمونها. فبدل أن يشكل التعويض رافعة لتخفيف الصدمة وإعادة الاعتبار للضحايا، يتحول في كثير من الأحيان إلى مسار شاق، محفوف بالشروط والآجال، يستهلك الزمن والجهد ويُراكم الإحباط.

في هذا السياق، يرى متتبعون أن المنظومة القانونية المؤطرة للكوارث الطبيعية تقف اليوم أمام امتحان حقيقي، ليس فقط على مستوى النوايا المعلنة، بل على مستوى القدرة العملية على تمكين المواطنات والمواطنين، أو ذوي الحقوق، من تعويضات يفترض أن تكون سريعة وفعالة. ويزداد هذا السؤال إلحاحًا حين يُستحضر أن صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية يُموَّل من مساهمات إجبارية يؤديها المغاربة عبر رسم شبه ضريبي مرتبط بعقود التأمين، ما يجعل التعويض حقًا جماعيًا مكتسبًا، لا إجراءً إحسانيًا ولا منّة إدارية.

في تصريه لـ”إعلام تيفي”، يوضح الباحث في العمل البرلماني، صلاح الدين حليم، أن الإشكال لا يكمن في غياب القانون، بل في شروط تفعيله وآليات تنزيله. فالقانون، كما يبيّن، ربط الاستفادة من التعويض بالإعلان الرسمي عن وقوع الكارثة بقرار إداري تتخذه السلطة الحكومية المختصة، وهو ما عززه المرسوم التطبيقي بمنح رئيس الحكومة صلاحية تحديد تاريخ وساعة حدوث الواقعة الكارثية. غير أن هذا المسار، في الممارسة، يظل رهينًا بشروط زمنية صارمة تجعل النفاذ إلى الحق في التعويض معقدًا ومحدود الأثر.

ويشير حليم إلى أن النص يشترط استمرار وضعية الفيضانات أو ارتفاع منسوب المياه لمدة 504 ساعات متتالية قبل الإعلان الرسمي عن الكارثة، أي ما يعادل واحدًا وعشرين يومًا كاملًا من الفيضانات المستمرة. وهو شرط، بحسب المتحدث، لا ينسجم مع الطبيعة المفاجئة والسريعة للكوارث، التي تُخلّف أضرارها في ساعات أو أيام قليلة، ثم تنحسر، تاركة وراءها ضحايا في أمسّ الحاجة إلى دعم عاجل. وبهذا الشرط الزمني، يصبح التعويض في حالات كثيرة شبه مستحيل، ويتحول النظام التضامني إلى إطار نظري أكثر منه آلية عملية للحماية.

هذا التعقيد، يضيف الباحث، لا يؤثر فقط على سرعة صرف التعويضات، بل ينعكس سلبًا على الثقة في جدوى منظومة يفترض أن تكون ملاذًا قانونيًا في لحظات الأزمات القصوى. فبين تشدد الشروط وطول المساطر، يجد الضحايا أنفسهم عالقين بين الانتظار والترقب، في وقت تكون فيه الحاجة إلى التدخل الفوري والدعم المادي والنفسي مسألة مصيرية.

وفي مقابل هذه الإكراهات، يذكّر صلاح الدين حليم بأن النقاش حول مراجعة هذا الإطار القانوني ليس وليد اليوم، إذ سبق لعدد من الفرق النيابية أن تقدمت بمقترحات لتعديل بعض مقتضيات المرسوم التطبيقي، خاصة تلك المرتبطة بشروط الإعلان عن الكارثة، بهدف تبسيط المساطر، وتسريع وتيرة التعويض، وضمان انسجام أوضح بين النص وروحه التضامنية التي أُحدث من أجلها.

هكذا، تعيد مأساة آسفي طرح سؤال جوهري يتجاوز هذه الفاجعة بعينها، ليمس فلسفة تدخل الدولة في مواجهة الكوارث الطبيعية: ما جدوى قانون لا يظهر أثره إلا نادرًا عند وقوع الأزمات؟ وكيف يمكن الحديث عن تضامن وطني فعّال إذا ظل المواطن المتضرر رهين شروط زمنية وإدارية لا تراعي منطق الاستعجال الذي تفرضه الكوارث؟ فالقانون، في نهاية المطاف، لا تُقاس قيمته بجودة صياغته ولا بكثرة مواده، بل بقدرته على حماية الناس حين تشتد المحن، وتتحول النصوص إلى أفعال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى