الحصول على المياه في أعالي الجبال المثلجة صراع البقاء للأقوى 

فاطمة الزهراء أيت ناصر 

في أعالي الجبال المغربية، حيث يشتد البرد وتتحول الطبيعة إلى لوحة بيضاء صامتة، يختار رشيد، أحد صانعي المحتوى، أن يوثق تفاصيل الحياة اليومية كما هي، عبر عدسته، ينقل واقعا قاسيا تعيشه ساكنة المناطق الجبلية خلال فترات التساقطات الثلجية، واقع عنوانه الأكبر هو الصمود والتكيف مع ندرة الموارد، وعلى رأسها الماء.

وخلال هذه الفترة، كشف رشيد عن واحدة من أبرز الإكراهات التي تواجه السكان، والمتمثلة في صعوبة الحصول على المياه الصالحة للاستعمال اليومي، فالواد الذي يمد القرية بالماء يتجمد بالكامل بفعل الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، ما يحرم الساكنة من مصدرها الطبيعي والأساسي للماء، ويجعل البحث عنه تحديا يوميا لا يقل قسوة عن البرد نفسه.

أمام هذا الوضع، لم يكن أمام رشيد سوى الاعتماد على الثلوج كمصدر بديل للماء، يوثق في مقاطعه كيف يقوم بجمع الثلج وإذابته فوق شعلة نار بسيطة، ليحصل على كمية من الماء تستعمل في إعداد العجين، والطهي، والاستحمام، وكل ما يرتبط بالحاجيات اليومية، مشاهد تختزل قسوة العيش، لكنها في الوقت نفسه تعكس قدرة الإنسان الجبلي على التكيف مع الطبيعة مهما بلغت قسوتها.

 

ولا يقتصر هذا التدبير الذاتي للماء على الاستعمال البشري فقط، بل يشمل أيضا العناية بالمواشي، التي تشكل مصدر عيش أساسي لساكنة الجبال، رشيد يوثق كيف يضع الثلج داخل أوعية الشعير المخصص لتغذية الماشية، حيث يذوب تدريجيا، ما يساعد على مضاعفة حجم العلف وتيسير تناوله من طرف الحيوانات في ظل شح الماء، أما الدجاج، فيحرص على تدفئة طعامه قبل تقديمه له، حماية له من تأثير البرد القارس.

 

 

ومع أولى ملامح ذوبان الجليد، وتحرر مياه النهر من قبضة الصقيع، لم يخف رشيد سعادته وهو يوثق عودة الحياة إلى مجراها الطبيعي، لحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات عميقة لدى ساكنة المنطقة، إذ تعني نهاية مرحلة من المعاناة اليومية وبداية انفراج طال انتظاره.

في أحد مقاطعه، كشف رشيد عن تحد آخر يضاف إلى معاناة الساكنة خلال فصل الشتاء، وهو صعوبة الوصول إلى الطريق الرئيسة، ما يعيق الحصول على الخدمات الأساسية مثل التطبيب، التمدرس، أو شراء الحاجيات اليومية.

ومن أجل حماية منزله من أضرار الثلوج والجليد، يظهر رشيد وهو يقوم بمجهود يومي لإزالة الثلوج من أعلى المنزل باستخدام أدوات بسيطة يدوية، يقوم بإذابة الثلج تدريجيا، حيث يضع أمام المنزل ما يعرف محليا بالغبار أو روق البهائم فوق الثلج لتسريع ذوبانه، كما يحرص على إزالة الجليد من جوانب جدران المنزل الطيني ومن فوق السقف بأدوات بدائية جدا.

 

هذه المعاناة اليومية تعيد إلى الأذهان حجم العزلة التي يعيشها سكان الجبال في مثل هذه الظروف القاسية، حيث تتحول أبسط الاحتياجات إلى مهمة شاقة تتطلب جهدا ووقتا كبيرين، مما يعكس واقعا مؤثرا يفرض على الإنسان الجبلي الصبر والتكيف مع الطبيعة ومحدودياتها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى