الحصيلة (20): “محمد الحمامي”.. ترحال حزبي نشيط وحصيلة تشريعية ميتة

حسين العياشي

في السياسة، لا تحتاج أحيانًا إلى برنامج انتخابي ولا إلى خطاب إيديولوجي معقّد كي تنجح، يكفي أن تتقن فنّ الانتقال السلس، وأن تحفظ جيدًا مخارج الطوارئ بين الأحزاب، وأن تعرف متى تغيّر الاتجاه قبل أن تُطفأ الأضواء. من طنجة، حيث الرياح لا تهدأ، يقدّم محمد الحمامي درسًا عمليًا في هذا الفن، كيف تكون نائبًا دائمًا، دون أن تكون حاضرًا، وكيف تغيّر الانتماء الحزبي دون أن تغيّر المقعد.

الرجل لم يرهق نفسه بالوفاء لحزب واحد؛ التجمع الوطني للأحرار كان مرحلة، الأصالة والمعاصرة محطة، وحزب الاستقلال قبعة الموسم. ثلاث أحزاب، تحالف حكومي كامل، ومرور أنيق دون خدش في الضمير السياسي. حتى البرلمان لم يكن له عنده عنوان ثابت، رحلة من مجلس النواب، إلى مجلس المستشارين، ثم عودة واثقة إلى مجلس النواب، والوجهة المقبلة مرهونة بما سيفرزه السياق.. وكأننا أمام تنقّل داخلي بين طوابق الإدارة نفسها، لا أمام مسؤولية تمثيل أمة.

ولو قُدّر للحكومة الحالية أن تتكلم بلسان فرد، لربما نطقت باسم محمد الحمامي. فالرجل، دون ضجيج، عاش كل التحالفات، وارتدى ألوانه الثلاث، دون أن يثقل كاهله سؤال بسيط من نوع: ماذا أمثّل؟ ولماذا أنا هنا؟

لكن المتعة الحقيقية تبدأ حين نغلق باب الانتماءات ونفتح دفتر الحصيلة؛ هنا، لا تنفع الخطابة ولا تبديل الربطات. أربع سنوات تقريبًا من الولاية التشريعية الحالية، والنتيجة: أربعة أسئلة شفوية فقط. سؤالان في يناير 2022، سؤالان في يونيو 2023، ومنذ ذلك التاريخ.. صمت مطبق، كأن ميكروفون البرلمان لا يشتغل إلا بنظام الحصص.

أربع سنوات، أربعة أسئلة.
بمعدل سؤال واحد في السنة.
إنجاز متواضع حتى بمعايير الغياب.

وفي الجهة المقابلة من المعادلة، تقف الأرقام بلا مجاملة: حوالي 756 مليون سنتيم من المال العام كأجور وتعويضات راكمها طيلة الولايات التي كان عضوا فيها، والتي تقارب 18 سنة. هكذا، وببساطة، يتحوّل السؤال الشفوي من أداة دستورية للمساءلة إلى سلعة فاخرة لا يقدر عليها إلا النواب الصامتون.

وإذا تساءل المواطن عمّا إذا كان هذا الصمت خيارًا شخصيًا أم ظرفًا عابرًا، فبقية المشهد توفّر الجواب. متابعات قضائية، منع من مغادرة التراب الوطني، وملفات أخرى متنوعة، سنعود إليها فيما بعد.. تفاصيل لا تبدو منفصلة عن مسار سياسي يفضّل المناورة على المواجهة، والتموقع على الوضوح.

محليًا، في مقاطعة بني مكادة، تكتمل الصورة. أغلبية تتفكك، دورات تفشل في الانعقاد، نصاب قانوني يتبخر، ورئيس مقاطعة محمد الحمامي يتحول من فاعل سياسي إلى عبء إداري. رئاسة قائمة بالصفة، غائبة بالفعل، كأن المقاطعة تُدار بنظام “الطيار الآلي”، دون حاجة إلى قائد داخل قمرة القيادة.

حتى الإعلام لم يسلم من هذه الفوضى الناعمة؛ ملف اعتداء على صحافي محلي، ثم غياب لافت عن تدشين المستشفى الجامعي بطنجة بحضور الملك، في لحظة رمزية لا يتغيب عنها عادة إلا من اختار أو اختير له أن يكون خارج الصورة.. أو خارج الحسابات.

كل هذا لا يحيل على حالة فردية شاذة، بل على نموذج سياسي كامل: نائب محترف في البقاء، بارع في تغيير المواقع، ضعيف في الأداء، ثقيل على الميزانية. نموذج لا يرى في البرلمان فضاءً للنقاش، بل عنوانًا بريديًا، ولا في الحزب مشروعًا، بل وسيلة نقل انتخابية.

ومع ذلك، فإن محمد الحمامي ليس وحده في قفص الاتهام الأخلاقي. هناك أكثر من 21 ألف ناخب صوّت ثم نسي، وهناك آخرون قاطعوا معتقدين أن العبث لا يخصهم، وهناك منظومة كاملة طبّعت مع هذا السلوك، وحوّلت الصمت البرلماني من فضيحة إلى تفصيل.

في النهاية، نحن لا أمام نائب فاشل فقط، بل أمام سياسة تنجح في الفشل. سياسة تسمح لنائب أن يتقاضى مئات الملايين مقابل أربعة أسئلة، دون أن يضطر حتى إلى تبرير الغياب. سياسة تجعل من الصمت مهارة، ومن الترحال الحزبي خبرة، ومن المال العام هامش خطأ.

وفي انتظار اسم جديد في هذه السلسلة، وربطة عنق أخرى، يبقى السؤال الحقيقي معلّقًا بلا جواب:
هل نملك برلمانًا يشتغل طيلة الولاية، أم مؤسسة تفتح أبوابها فقط حين يتذكّر بعض أعضائها أن الصمت، أحيانًا، يحتاج إلى استراحة قصيرة؟

وغدًا.. حلقة أخرى، وصمت جديد، وفاتورة تُرسل كالعادة إلى المواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى