الحصيلة (22): 112 سؤالًا.. و18 جوابًا فقط: حصيلة “الحسين بن الطيب” تصطدم بجدار الصمت الحكومي

حسين العياشي
في طنجة، المدينة التي لا تمنح السياسة رفاهية البطء، يبرز اسم النائب البرلماني الحسين بن الطيب كحالة لافتة داخل مشهد اعتاد على حصائل باهتة وحضور باهظ الصمت. أربع سنوات تحت قبة البرلمان انتهت برقم لا يمكن المرور عليه مرور الكرام: 112 سؤالًا شفويًا، حصيلة تعكس مجهودًا واضحًا وحضورًا متواصلًا. في زمن أصبح فيه طرح السؤال إنجازًا نادرًا، يبدو هذا الرقم في حد ذاته جديرًا بالتنويه؛ غير أن السياسة، كما الأرقام، لا تُقرأ من زاوية واحدة. فحين نغادر العناوين العامة وندخل إلى عمق التفاصيل، تطفو على السطح مفارقة ثقيلة الدلالة: من أصل 112 سؤالاً طرحه النائب، لم تتفاعل الحكومة سوى مع 18 سؤالًا فقط. أما البقية، فقد ظلت معلقة بين صمت رسمي، أو تأجيل غير مبرر، أو تجاهل لا ينسجم لا مع حجم القضايا المثارة ولا مع الدور الدستوري للسؤال الشفوي كآلية رقابة ومساءلة.
وتزداد هذه المفارقة حدّة حين نضعها في سياقها السياسي؛ فالحسين بن الطيب لا ينتمي إلى صفوف المعارضة، بل إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يقود الحكومة ويتحكم في أغلبيتها البرلمانية. أي أن هذه الأسئلة لم تصدر من ضفة المواجهة أو النقد الحاد، بل من داخل “البيت الحكومي” نفسه. هنا تتحول الحصيلة من مجرد أرقام إيجابية إلى مرآة تعكس خللًا أعمق في علاقة الحكومة بالبرلمان، حتى مع من منحها الثقة السياسية والشرعية المؤسساتية.
فبأي منطق يمكن تبرير هذا التجاهل؟ وبأي معيار يمكن التوفيق بين هذه الأرقام وبين الخطاب الرسمي الذي يقدمه الناطق باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، حين يؤكد في أكثر من مناسبة أن الحكومة الحالية هي “الأكثر تفاعلًا مع البرلمان”؟ إذا كانت الحكومة لا تجيب إلا عن أقل من سدس أسئلة نائب ينتمي إلى أغلبيتها، فكيف هو الحال مع أسئلة المعارضة؟
هذه المفارقة لا تُسيء إلى النائب بقدر ما تضع الحكومة في موقع حرج؛ فالحسين بن الطيب، من حيث لا يقصد، قدّم خدمة سياسية غير مباشرة حين كشفت أرقام حصيلته حدود الخطاب الحكومي عندما يُختبر بالوقائع. 112 سؤالًا ليست ضجيجًا شعبويًا، و18 جوابًا ليست تفاعلًا يُبنى عليه. وبين الرقمين، تتسع فجوة الثقة بين البرلمان والحكومة، ليس فقط على مستوى المعارضة، بل داخل الأغلبية نفسها.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال تجربة هذا النائب في ردود الحكومة وحدها؛ فطرح الأسئلة، في حد ذاته، ممارسة سياسية ومسؤولية تمثيلية، تعكس وعيًا بدور النائب وحدود صلاحياته. غير أن السؤال الجوهري لم يعد اليوم مرتبطًا بعدد الأسئلة المطروحة، بقدر ما أصبح مرتبطًا بمصيرها: ماذا نفعل حين تصبح الأسئلة أكثر من الأجوبة؟ وحين يتحول البرلمان، حتى بالنسبة لنواب الأغلبية، إلى فضاء للانتظار بدل أن يكون فضاءً للتفاعل والمحاسبة؟
في هذه الحصيلة، يستحق التنويه مكانه، لكن النقد يظل واجبًا؛ لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على من يطرح السؤال، بل على من يمتلك الجرأة السياسية للإجابة. وحين تعجز الحكومة عن الإنصات حتى لأسئلة نوابها، يصبح شعار “أكثر حكومة تفاعلًا” مجرد عبارة إنشائية لا تصمد أمام اختبار الأرقام الواقعية.
هنا تحديدًا تبدأ السياسة الجدية؛ حين لا نكتفي بالتصفيق للأرقام، ولا نغض الطرف عن الصمت، بل نضع الجميع أمام مسؤولياتهم دون استثناء. فالنموذج الذي يقدمه هذا المسار يفرض إعادة طرح السؤال الحقيقي: هل الخلل في أداء النواب، أم في حكومة تتعامل مع البرلمان كمحطة شكلية ضمن مسارها التنفيذي، لا كشريك دستوري في الرقابة وصنع القرار؟










