المغرب يوازن بين السيادة والفرص في علاقة “الحزام والطريق” الصينية

حسين العياشي

يتعامل المغرب مع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية ببراغماتية هادئة وحذر مؤسساتي واضح، قائمين على مقاربة سيادية ترفض الاصطفاف التلقائي وتُخضع كل عرض صيني لتقييم دقيق يراعي التوازنات المالية والانعكاسات الصناعية والأثر على بنية الاقتصاد الوطني. هذا الخيار يمنح الرباط قدرة معتبرة على التحكيم، ويضعها في موقع مغاير داخل شمال إفريقيا مقارنة بدول أخرى، خصوصًا مصر، الأكثر تعرضًا للضغوط المالية والاختلالات المؤسسية.

ويستند هذا النهج إلى جهاز مؤسساتي متماسك وذي استمرارية، مكّن المغرب من استيعاب الاستثمارات الصينية دون الوقوع في تبعية هيكلية. وتؤكد دراسة منشورة بمجلة African Studies Quarterly أن القدرات المؤسساتية المرتفعة للمغرب تسمح له بترشيح المشاريع الصينية وضبط تنفيذها والحفاظ على هامش القرار الوطني، في مقابل مسار مصري يتسم بارتفاع منسوب الاعتماد المالي على الصين.

وتبرز الدراسة أن آثار مبادرة «الحزام والطريق» ليست حتمية، بل ترتبط بقدرة الدولة على التنظيم والرقابة. ففي الحالة المغربية، تحد كثافة المؤسسات واستقرار الإدارة من مخاطر سوء تخصيص الموارد، بينما يسهّل الاستقرار السياسي ووضوح القواعد التفاوض مع بكين على أساس أكثر توازنًا. كما أن الطابع المدني للدولة، وغياب هيمنة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد، يميز التجربة المغربية عن المصرية، حيث تؤدي عسكرة الاقتصاد إلى إرباك القرار وإضعاف حكامة المشاريع الكبرى.

اقتصاديًا، يظل انخراط المغرب في المبادرة مضبوطًا، إذ لا تشكل الصين مصدرًا مقلقًا للمديونية، على عكس الحالة المصرية. وتخضع الشركات الصينية في المغرب للإطار القانوني والجبائي نفسه المطبق على باقي المستثمرين، ما يحصر حضورها في مشاريع محددة تتماشى مع أولويات وطنية مسبقة، خاصة في قطاعات الطاقة والاتصالات وصناعة السيارات، دون المساس بالهندسة العامة للسياسات العمومية.

كما يساهم وجود قطاع خاص يتمتع بقدر من الاستقلالية، وتنوع الشراكات الدولية للمغرب، في الحد من منطق التبعية لشريك واحد، والحفاظ على توازن المبادلات التجارية، خصوصًا بفضل صادرات الفوسفاط والمنتجات المحوّلة. في هذا الإطار، تظل العلاقة مع الصين عنصرًا ضمن سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، لا محورًا مهيمنًا.

وتخلص الدراسة إلى أن التجربة المغربية تؤكد إمكانية الانخراط في مبادرة «الحزام والطريق» دون التفريط في السيادة الاقتصادية، شريطة توفر مؤسسات قوية وإدارة مستقرة وقدرة على انتقاء المشاريع، وهو ما يمنح المغرب موقعًا متميزًا في تعاطيه مع بكين داخل محيطه الإقليمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى