الحصيلة (24): سلا تحت وصاية “آل الزمزامي”.. عندما تتحول السياسة إلى شأن عائلي بقبعات متعددة

حسين العياشي

في سلا الجديدة، لا يحتاج المرء إلى دليل انتخابي أو خريطة حزبية ليعرف من يمسك بخيوط المشهد؛ تكفي نظرة واحدة إلى شجرة العائلة. ضيف هذه الحلقة ليس استثناءً عابراً، بل حلقة أخرى في سلسلة عائلية متماسكة، عنوانها “آل الزمزامي”، ووسمها غير المعلن: الاستمرارية.. ولو غابت الحصيلة.

في مقدمة هذه العائلة، نجد عبد الكريم الزمزامي؛ أربع سنوات انقضت من عمر الولاية التشريعية الحالية، والحصيلة لا تتطلب عناء البحث أو تشكيل لجان تقصّي، (15) خمسة عشر سؤالاً شفوياً فقط. رقم لا يشي بالتقصير بقدر ما يوحي بطمأنينة مفرطة. سؤالان في 2025، أما 2024 فكانت بالنسبة له سنة بيضاء وكأن المؤسسة التشريعية دخلت في سبات طويل، سؤالان في 2023، سبعة في 2022، وأربعة في 2021. هذا كل ما سجّلته ذاكرة النائب تجاه قضايا سلا الجديدة، مقابل ما يفوق 150 مليون سنتيم من المال العام. المعدّل بسيط ومباشر: سؤال واحد كل ثلاثة أشهر تقريباً.. إذا سمح المزاج..

غير أن المفارقة لا تقف عند حدود هذا الفراغ الرقابي، بل تتعمّق حين نضعها في سياقها السياسي، عبد الكريم الزمزامي دخل البرلمان مرتدياً عباءة التجمع الوطني للأحرار، عقب “ميركاطو” جماعي منظّم، انتقل فيه هو وإخوته من حزب التقدم والاشتراكية، في مشهد أقرب إلى انتقال لاعبين بين الأندية مع نهاية الموسم، منه إلى مسار سياسي يُفترض أن يقوم على قناعة وبرنامج والتزام.

وخارج أسوار البرلمان، تتسع الصورة وتكتمل جذوع الشجرة العائلية، عبد الرحيم الزمزامي يرأس غرفة الصناعة التقليدية لجهة الرباط سلا القنيطرة. زهير الزمزامي يقود جماعة تمارة بعد أن ترأس إقليم تمارة الصخيرات. عبد الصمد الزمزامي على رأس جماعة بوقنادل. شيماء الزمزامي تشغل مقعداً برلمانياً بمجلس المستشارين. أما عبد الكريم، فتكفّل بالمقعد التشريعي في مجلس النواب. عائلة واحدة، مناصب متعدّدة، ودوائر قرار موزّعة بعناية تُحسد عليها.

أمام هذا التوزيع المتقن، يصبح الصمت البرلماني مفهوماً، بل منطقياً؛ لماذا يُرهق النائب نفسه بالأسئلة، ما دامت السلطة حاضرة داخل البيت، والقرار يدور في الدائرة نفسها، والاتصال لا يحتاج إلى وسيط مؤسساتي؟ في سلا، يبدو البرلمان مجرد إضافة شكلية إلى بطاقة تعريف عائلية طويلة..

الأصل أن يكون النائب صوت من لا صوت لهم؛ لكن في هذه الحالة، يضيع السؤال: من يمثّل من؟ هل هو نائب عن الساكنة، أم واجهة لعائلة سياسية متعددة الفروع؟ وهل السؤال الشفوي أداة للمساءلة والرقابة، أم عبء بروتوكولي يمكن الاستغناء عنه دون أن يختلّ شيء في المعادلة؟

الأكثر إثارة للسخرية أن هذا النموذج يُعاد إنتاجه بهدوء وبمباركة انتخابية صامتة؛ الأسماء نفسها، الدوائر نفسها، والنتائج لا تتغيّر. كراسٍ ثابتة، وأداء لا يتحرّك إلا عند الضرورة القصوى.. أي حين تلوح الانتخابات في الأفق.

هذه الحلقة لا تتوقف عند شخص عبد الكريم الزمزامي، بل تلامس منطقاً كاملاً يرى في التمثيل السياسي إرثاً عائلياً، وفي البرلمان ملحقاً إدارياً، وفي المال العام مقابلاً مريحاً للصمت. خمسة عشر سؤالاً في أربع سنوات ليست مجرد رقم هزيل، بل بيان غير مكتوب يقول إن سلا الجديدة لا تحتاج إلى مساءلة.. لأنها، ببساطة، “مقسّمة” سلفاً.

وهنا، يتبدّل السؤال الجوهري. الذي لم يعد يختزل في: ماذا قدّم النائب؟ بل: كم نائباً تستطيع عائلة واحدة أن تنتجه قبل أن يدرك الناس أن الخلل ليس في الأسماء وحدها، بل في النموذج نفسه الذي يُعاد تدويره مرة بعد مرة، بالوجوه ذاتها، وبالصمت ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى