دراسة سوسيولوجية ترصد تحولات المقاهي الشعبية بالمغرب في عصر الإنترنت

أميمة حدري: صحافية متدربة
دخلت المقاهي الشعبية بالمغرب مرحلة جديدة من التحوّل، بعدما تجاوزت وظيفتها التقليدية المرتبطة بالاستهلاك والترفيه، لتغدو فضاءات هجينة تمزج بين التفاعل الاجتماعي المباشر والاتصال الرقمي المتنامي، وفق ما خلصت إليه دراسة سوسيولوجية حديثة تناولت التحولات التي تعرفها هذه الفضاءات في زمن الإنترنت.
وأفادت الدراسة، المنشورة في العدد الأخير من مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل الصادرة عن المركز الديمقراطي العربي، أن المقهى المغربي لم يعد مجرد مكان للجلوس وتبادل الأحاديث، بل أضحى بنية اجتماعية-تقنية تتقاطع داخلها العلاقات الإنسانية مع الممارسات الرقمية.
وسجلت أن الاستخدام المكثف للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي داخل المقاهي أسهم في إعادة تشكيل مفهوم الحوار العمومي، من خلال تداخل الحضور المادي بالفضاء الشبكي لتداول الأفكار والآراء.
وأوضحت الوثيقة أن الجيل الشاب، ولا سيما المنتمي إلى ما يُعرف بـ«الجيل زد»، يضطلع بدور محوري في هذا التحول، بعدما أعاد توظيف المقهى كمنصة متعددة الوظائف تجمع بين العمل، والتعلّم غير النظامي، والترفيه، والإبداع الثقافي. واعتبرت أن خدمة الإنترنت لم تعد عنصراً مكملاً داخل المقهى، بل تحولت إلى مكوّن أساسي في نمط استهلاك جديد يمزج بين القيمة الرمزية والقيمة المادية.
ورصدت الدراسة تحوّلاً نوعياً في تمثلات المقهى داخل المجتمع المغربي، إذ بات يُنظر إليه كفضاء حضري رقمي تُنتَج داخله الهوية ويُعاد من خلاله توزيع الرأسمال الرمزي والمعرفي، في مقابل التصور التقليدي الذي ظل يربط المقهى بالتواصل المباشر والطقوس الاجتماعية المألوفة. واعتبرت أن هذا التباين يعكس شكلاً من الصراع الثقافي بين الأجيال حول وظيفة المقهى ودلالته الاجتماعية في سياق التحولات الرقمية المتسارعة.
وأشار المصدر ذاته إلى أن المقاهي الشعبية بالمغرب استوعبت أنماطاً جديدة من الممارسة الاجتماعية، حيث تداخل الواقعي بالافتراضي، والعمل بالترفيه، والمحلي بالعالمي، داخل نسيج مكاني وزماني مرن، أفرز أشكالاً مستجدة من التفاعل والاعتراف الاجتماعي.
وخلصت الدراسة إلى أن المقاهي المغربية لم تعد فضاءات استهلاكية عابرة، بل تحولت، بفعل البنى الاتصالية الرقمية، إلى مختبرات للحداثة المحلية، تسهم في إعادة تعريف مفهوم العمومية وتوسيع دوائر النقاش الاجتماعي.
كما أوصت بضرورة إدماج البعد الثقافي والرمزي لهذه الفضاءات ضمن السياسات العمومية والمخططات التنموية، عبر اعتماد مقاربة تشاركية تستثمر دور المقاهي في تعزيز الإبداع الثقافي والتماسك الاجتماعي، ودعم المبادرات المحلية التي توفّق بين الأصالة والابتكار في سياق التحول الرقمي.





