الحصيلة (28): الأب والابن “الأزرق” يهيمنان على صمت المحيط السياسي بسلا

حسين العياشي

في المحيطات العميقة، لا تحتاج الحيتان الزرقاء إلى السرعة، ولا إلى الضجيج. يكفيها الحجم، وطول العمر، وغياب المفترسات. هكذا تمامًا يبدو مسار نور الدين الأزرق في السياسة: كائن انتخابي عملاق، عاش طويلًا، تحرّك ببطء، وترك خلفه دوامات أكثر مما ترك آثارًا.

منذ سنة 1997، دخل الأزرق مجلس النواب، لا كنائب عابر، بل ككائن مستقر في قاع المؤسسة التشريعية. أربعة وعشرون (24) عامًا من العبور تحت القبة، لم يكن فيها نائبًا فقط، بل تحول إلى بيئة كاملة: مقعد يُورَّث، حضور لا يُزعج، واستمرارية لا تحتاج إلى تبرير. وعندما أنهكته الرحلة، لم يغادر المحيط، بل سلّم الزعنفة لابنه عمر الأزرق، في مشهد أقرب إلى التناسل السياسي منه إلى التداول الديمقراطي.

الحصيلة؟ هنا تبدأ المفارقة التي لا يبتلعها حتى الحوت.

في ولاية عبد الإله بنكيران، اكتفى الأزرق الأب بأربعة أسئلة شفوية فقط. أربعة أسئلة في خمس سنوات، أي سؤال واحد كل عام ونيف، وكأن البرلمان كان محطة استراحة لا موقع مساءلة. ومع ذلك، استمر. وفي الولاية التي تلتها، رفع منسوب “الكرم الرقابي” إلى 17 سؤالًا شفويًا، لا لشيء سوى لأن الحوت حين يشعر بالخطر، يتحرك قليلًا… ثم يهدأ من جديد.

بعدها، تم تسليم المقعد بسلاسة لوريثه. عمر الأزرق لم يحتج إلى السباحة، فالمحيط كان ممهدًا، والتيارات موالية. النتيجة؟ صفر سؤال شفوي في سنة 2025. سؤالان فقط في 2024. أربعة أسئلة في 2023. أما سنة 2022، فقد شهدت “طفرة” بـ12 سؤالًا، قبل أن يعود الصمت إلى طبيعته. وكأننا أمام ديناميكيتين متكاملتين: أب يتقن فن البقاء، وابن يتقن فن الغياب..

هذا المقعد، الذي تنقل بين الأب والابن كما تُنقل الملكيات الخاصة، كلّف دافعي الضرائب إلى حدود كتابة هذه السطور ما يفوق مليارًا و176 مليون سنتيم. رقم يكفي لبناء مدارس، أو تجهيز مستشفى محلي، أو انتشال أحياء كاملة من الهشاشة. لكنه صُرف بدل ذلك على صمت تشريعي طويل، وهدوء سياسي لا يقطعه سوى أسئلة موسمية، أشبه بفقاعات هواء تطفو ثم تختفي.

وإذا كان الأداء البرلماني يُقاس بالفعل، فإن محيط الأزرق لم يكن هادئًا تمامًا خارج القبة. ملفات تعمير، شبهات استغلال نفوذ، قضايا ظلت راكدة منذ 2011 ثم أعيد فتحها، أسماء تتكرر، وشبكة علاقات تُشبه سربًا من الكائنات الضخمة التي تتحرك معًا، تتقاطع مصالحها، وتتناوب الأدوار. نفس الأسماء التي تظهر في مجالس المدينة، في البرلمان، في الجهة، وفي لوائح المتابعين. وكأن سلا لم تكن مدينة، بل حوضًا انتخابيًا مغلقًا.

المثير للسخرية أن كل هذا يحدث تحت شعار “الاستقرار”. استقرار المقعد، استقرار الوجوه، استقرار النفوذ. أما التغيير، فمؤجل. أما المحاسبة، فمؤطرة. وأما المواطن، فمجرد شاهد على حوت يعبر المحيط ببطء، يستهلك الأكسجين، ويترك خلفه سؤالًا واحدًا معلّقًا: هل هذا تمثيل أم احتكار؟

هذه ليست قصة شخص، بل قصة نموذج. نموذج يسمح لنائب أن يعمّر ربع قرن، ثم يورّث المقعد، دون أن يترك أثرًا يوازي الزمن ولا المال. نموذج يجعل البرلمان أشبه بمحمية طبيعية، تعيش فيها الكائنات السياسية المهددة بالمحاسبة في أمان تام.

وفي النهاية، لا أحد يكره الحوت لأنه كبير، بل لأنه يحتل المحيط وحده.
أما الرقابة الشعبية، فهي لا تصطاد، لكنها تراقب.. ولنا المتابعة، وللمواطن المحاسبة عن طريق صناديق الاقتراع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى