الحصيلة (31): خالد العجلي.. نموذج التجمع الوطني للأحرار في التمثيل الصوري

حسين العياشي
بعد أسبوع صاخب مع برلمانيي مدينة سلا، نغادر ضفاف أبي رقراق نحو فاس، المدينة التي علّمت المغرب معنى التاريخ، لكنها اليوم تُجبر على التعايش مع نواب بلا ذاكرة ولا صوت. نبدأ بأضعف الإيمان، أو لنقل: بأقوى أشكال الغياب. بطل هذه الحلقة هو النائب البرلماني خالد العجلي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي دخل البرلمان كما يدخل الظل الغرفة، بلا ضجيج، بلا أثر، وبلا أي التزام يُرى أو يُسمع.
خالد العجلي لم يأتِ إلى البرلمان عبر تنافس سياسي حقيقي، بل عبر انتخابات جزئية مسرحية مكتملة الأركان. مقعد فاس الجنوبية، الذي خلا بعد سقوط رشيد الفايق – أحد رموز “الأحرار” الذين انتهوا خلف القضبان – لم يُترك للناخبين ليحسموا أمره، بل جرى توريثه حزبياً في عملية حسابية باردة. أحزاب الأغلبية نسّقت، وحّدت أصواتها، ودفعت بمرشح واحد؛ أما أحزاب المعارضة، كعادتها، دخلت المعركة متفرقة، كل حزب بمرشحه، لتُثبت مرة أخرى أن السياسة في المغرب لا تُهزم فقط بالمال والنفوذ، بل أيضاً بسوء الحساب. هكذا اكتشف الجميع أن الانتخابات ليست خطاباً ولا نوايا حسنة، بل عملية رياضية لا يتقنها الجميع.. أو ربما أتقنتها المعارضة جيداً تحت شعار “المهم هو المشاركة”.
والنتيجة؟ مقعد برلماني قُدِّم لخالد العجلي على طبق من ذهب. مقعد كانت فاس، الجنوبية قبل غيرها، بحاجة إلى من يعرف وزنه، ويُدرك رمزيته، ويستعمله للدفاع عن مدينة تختنق بمشاكل السكن، والبنية التحتية، والنقل، والثقافة، والبطالة. لكن المقعد، ويا للمفارقة، ذهب إلى رجل لم يسمع له صوت إلى الآن.
حصيلة خالد العجلي البرلمانية يمكن تلخيصها بجملة واحدة: صفر سؤال شفوي. نعم، صفر كامل غير منقوص. نائب حاضر دائماً، لا ليتكلم أو يترافع أو يزعج الحكومة، بل فقط ليُوقّع في ورقة الحضور، ثم يلتقط الصور التي ستُزين صفحاته على صفحاته الفيسبوكية. صمتٌ أنيق، منضبط، لا يزعج أحداً، ولم يكلّفه سوى ما يقارب 100 مليون سنتيم مقابل سنتين من الصمت المطبق. صفقة مريحة: دافعو الضرائب يؤدون الأجرة الشهرية، والنائب يلتزم الهدوء مقابل ذلك.
غير أن الصمت في البرلمان لا يعني الغياب في أماكن أخرى. فخالد العجلي هو أيضاً رئيس نادي الوداد الفاسي، وهنا تتغير النبرة. فجأة، تتحرك الأموال، وتُفتح الخزائن، وتصبح “الأولويات” أوضح من أي سؤال شفوي في البرلمان. مجلس جماعة فاس، برئاسة صديقه عبد السلام البقالي، صادق بسخاء لافت على دعم استثنائي بقيمة مليار ونصف سنتيم لفائدة فريق “الواف”، موزعة على ثلاث سنوات. دعم وُصف بغير المسبوق، في مدينة تعاني من أعطاب مزمنة في كل شيء تقريباً.
المجلس برّر الخطوة بالحفاظ على “التوازن الرياضي”، لكن أسئلة كثيرة خرجت من المدرجات إلى الشارع: هل نحن أمام رؤية رياضية واضحة؟ أم أمام دعم سياسي بلباس كروي؟ وهل من المنطقي ضخ هذه الملايير في فريق يعاني من اختلالات بنيوية، بينما أحياء كاملة في فاس تعيش خارج منطق الأولويات؟
بين قبة البرلمان وملعب الكرة، يبدو أن خالد العجلي حسم أولوياته مبكراً. السياسة؟ حضور صامت. الترافع عن هموم فاس؟ مؤجل إلى أجل غير مسمى. الأسئلة الشفوية؟ صفر. أما كرة القدم، فهناك المال حاضر، والدعم سخي، والضجيج لا ينقطع، حتى وإن كان ضجيجاً بلا نتائج.
هكذا تجد فاس نفسها ممثلة بنائب لا يُزعج الحكومة بسؤال، ولا يُقلقها بموقف، لكنه يُجيد البقاء في الصورة. نائب يُجسّد نموذجاً جديداً: برلماني بلا خطاب، بلا معارك، وبلا أثر. وفي مدينة بتاريخ فاس، قد يكون هذا الصمت هو أعلى درجات الضجيج.





