الحصيلة (32): “عزيز اللبار” عضوية دائمة وفعالية مؤقتة.. كيف تُدار السياسة بنظام الاحتكار العائلي

حسين العياشي

في فاس، المدينة التي تحفظ أسماء السلاطين والعلماء كما تحفظ الأزقة القديمة أسرارها، هناك أسماء أخرى لا تغيب عن أي لائحة انتخابية، ولا تشيخ، ولا تعرف التقاعد السياسي. أسماء تتناسل داخل المجالس كما تتناسل الأختام في الإدارات، وإذا غاب واحد حضر قريبه، وإذا تغيّر المجلس تغيّر المقعد ولكن الاسم يبقى ثابة لا يتغير. في مقدمة هذه الأسماء، تبرز عائلة “اللبار” كحضور دائم، ثابت، شبه أبدي.. كأننا أمام “عضوية دائمة” في كل ما هو تمثيلي، من البرلمان بغرفتيه، إلى الغرف المهنية، إلى المجالس الجماعية، مروراً بكل ما يمكن أن يُنتخب أو يُعيَّن.

نجم هذه الحلقة هو عزيز اللبار، السياسي الذي لا يعترف بالحدود بين الأحزاب ولا بين الغرف. انتقل من الحركة الشعبية إلى الأصالة والمعاصرة، ومن مجلس النواب إلى مجلس المستشارين، ثم عاد من المستشارين إلى النواب، في حركة تشبه لعبة الكراسي الموسيقية، الموسيقى تتغير، الكراسي تتبدل، لكن اللاعب نفسه لا يغادر الحلبة. مسار سياسي أقرب إلى قطار دائري، يدور في نفس المحطة منذ سنوات، بينما المدينة التي يفترض أنه يمثلها ما زالت تنتظر قطار التنمية الذي تأخر كثيراً.

عزيز اللبار شخصية مثيرة للانتباه بطريقتها الخاصة، صامت حيث يجب الكلام، وصاخب حيث لا يسمعه أحد. داخل القاعة، حيث تُسجَّل المواقف وتُحاسَب الكلمات، يتحول إلى تمثال من الجبس، ثابت الملامح، بلا حركة ولا صوت. أما خارج القاعة، في الممرات والأدراج، فجأة يستعيد حيويته، يعلو صوته، وتشتعل حماسته، وكأن الجرأة لا تعمل إلا عندما تُطفأ الكاميرات.

الحصيلة في هذه الولاية التشريعية؟ سؤال شفوي واحد؛ نعم، سؤال يتيم، وحيد، كطفل ضائع في زحام البرلمان. أما الأسئلة الكتابية، فلا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. مدينة بحجم فاس، بثقلها التاريخي واختناقاتها الاجتماعية والاقتصادية، ممثَّلة بسؤال واحد، وكأن كل مشاكلها يمكن ضغطها في دقيقة كلام عابرة، ثم العودة إلى الصمت المريح.

المفارقة أن اللبار لا يسائل الوزراء تحت القبة، لكنه يعاتبهم خلف الأبواب، رأيناه يوقف وزيرة السياحة بعد جلسة دستورية ليحتج على منح امتيازات لمستثمرين أجانب، من بينها أراضٍ خارج الإطار القانوني، مع اتهامها بإقصاء “المغاربة”. وهنا يحق لنا أن يتساءل: عن أي مغاربة يتحدث؟ عن المواطن البسيط؟ أم عن فئة تعرف جيداً كيف تصل إلى الطاولات حيث تُوزَّع الكعكة؟

الملف السياحي ليس تفصيلاً عابراً في سيرة الرجل، بل هو مجاله المفضل وتخصصه المعروف. وهنا يصبح الاحتجاج خارج القاعة أشبه بعرض جانبي، لا يصل صداه إلى محاضر الجلسات ولا إلى دفاتر المراقبة البرلمانية. كأن الرسالة موجهة لمن يهمه الأمر في الكواليس، لا لمن انتخبه في الأحياء الشعبية.

ولأن التاريخ يحب التكرار، فهذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها اللبار الجدل في الممرات بدل المنصة. حين كان في مجلس المستشارين، دخل في اشتباك سياسي حاد مع حميج شباط، انتهى بتبرؤ حزبه منه آنذاك. مشاكس في الظل، هادئ في الضوء، معادلة غريبة لسياسي يُفترض أن يكون صوته عالياً حيث تُصنع القرارات، لا حيث تُروى الحكايات بعد انتهاء الجلسات.

كل هذا الحضور الطويل، وكل هذه التنقلات بين الأحزاب والغرف، كلفت دافعي الضرائب أكثر من مليار سنتيم إلى حدود اللحظة. مليار مقابل سؤال واحد، وبعض الصور، واحتجاجات جانبية لا تدخل في سجل الرقابة البرلمانية. استثمار عمومي بعائد سياسي ضعيف، إن لم نقل شبه منعدم.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل سيواصل حزب الأصالة والمعاصرة الرهان على هذا النموذج الذي احترق ببطء، مثل شمعة تُترك في الهواء حتى تذوب دون أن تضيء؟ أم أن الحزب سيغامر هذه المرة بدماء جديدة، بمرشح شاب ربما، يملك الجرأة ليصرخ داخل القاعة لا في الممرات، ويحمل فعلاً هموم مدينة أنهكها الانتظار؟

والسؤال الأهم، وربما الأكثر إزعاجاً:
هل ستمنح الكتلة الناخبة في فاس ثقتها لوجه جديد إن وُضع أمامها؟ أم ستعيد، مرة أخرى، تزكية الأسماء نفسها التي عمرت طويلاً تحت القبة، لا لتغيير واقع المدينة، بل لتدبير مواقع النفوذ وحماية مصالح ضيقة لا علاقة لها بحياة المواطن اليومية؟

فاس اليوم لا تحتاج إلى نواب يتقنون فن التنقل بين الكراسي، ولا إلى أصوات ترتفع في الكواليس وتختفي في الجلسات. تحتاج إلى من يحوّل القبة إلى ساحة مواجهة حقيقية، لا إلى قاعة انتظار مريحة. مدينة بتاريخها لا تستحق تمثيلاً على طريقة “الحضور من أجل الحضور”، ولا سياسة تُدار كما تُدار أملاك العائلات الكبيرة “بالاستمرار لا بالكفاءة، وبالاسم لا بالفعل”.

وفي انتظار أن يقرر الناخب الفاسي كسر هذه الدائرة، سيظل السؤال معلقاً في الهواء:
هل كانت فاس فعلاً بلا أسئلة.. أم أن من يمثلها اختار الصمت، لأن الصمت، في بعض الأحيان، أقل كلفة من قول الحقيقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى