إيض يناير… حين يحتفل المغرب بهويته العميقة ويقدم نموذجا حضاريا يتجاوز الصين

بشرى عطوشي
بينما يحتفل المغاربة في يناير برأس السنة الأمازيغية، لا بوصفه طقسًا تراثيًا عابرًا، بل باعتباره عيدًا وطنيًا يحمل دلالات الهوية والاعتراف والذاكرة، يفرض سؤال الثقافة والدولة نفسه بقوة: كيف تتحول الذاكرة الجماعية إلى عنصر سيادي؟ في هذا السياق، لا يبدو المغرب مجرد بلد يحتفي بموروثه، بل دولة تُعيد ترتيب علاقتها بتاريخها بوعي مؤسساتي، متقدمة بذلك على نماذج دولية كبرى، من بينها الصين، التي تُبرز تنوعها الثقافي في الواجهة، لكنها تُبقيه محكومًا بسقف سياسي صارم. من هنا، يصبح الاحتفال بالسنة الأمازيغية لحظة مناسبة لقراءة التجربة المغربية كاختيار حضاري يتجاوز الاحتفاء، إلى بناء قوة الدولة من عمق هويتها.
مقاربة صينية..مقاربة مغربية
في مقابل الصورة التي تُقدَّم عن الصين كدولة تُحسن توظيف تنوعها الثقافي وتحويله إلى أداة قوة ورمز سيادي، تبرز التجربة المغربية كنموذج مختلف في الجوهر، أعمق في الدلالة، وأكثر توازنًا في العلاقة بين الدولة والهوية.
فبينما تعتمد الصين على إبراز الموروثات الثقافية للأقليات ضمن سردية مركزية صارمة تُذيب الخصوصيات في قالب “الأمة الصينية الواحدة”، اختارت المملكة المغربية مسارًا أكثر نضجًا واستدامة: تحويل المكوّن الأمازيغي من هامش ثقافي إلى ركيزة من ركائز الدولة الحديثة.
إن الافتخار الصيني بالتنوع، مهما بدا لافتًا في واجهته السياحية والفولكلورية، يبقى في كثير من جوانبه افتخارًا مُتحكَّمًا فيه، تحكمه اعتبارات الوحدة الصلبة والضبط السياسي.
الثقافة هناك تُعرض، لكن تُفرغ من عمقها الهوياتي حين تتقاطع مع أسئلة الانتماء أو الخصوصية. أما في المغرب، فقد جرى الانتقال – بتدرّج وحكمة – من مرحلة التدبير الحذر للتعدد، إلى مرحلة الاعتراف الدستوري الصريح، حيث أصبحت الأمازيغية لغة رسمية للدولة، ومكوّنًا أصيلًا من الهوية الوطنية الجامعة، لا في موقع التنافس مع العربية ولا في موقع التوظيف الظرفي، بل في موقع التكامل التاريخي والحضاري.
هذا التحول لم يكن خطوة رمزية معزولة، بل جاء ضمن مشروع ملكي واضح المعالم، استند إلى قناعة مفادها أن قوة الدولة لا تُبنى على الإنكار أو الصهر القسري، بل على المصالحة مع الذاكرة الجماعية. فالاعتراف بالأمازيغية، وإدماجها في التعليم والإعلام والمؤسسات، لم يُضعف الدولة المغربية، بل زادها تماسكًا ومشروعية، لأن الدول الواثقة هي التي لا تخشى مكوناتها، بل تجعل منها عناصر قوة ووحدة.
وتتجلى دلالة هذا المسار بأوضح صورها في إقرار رأس السنة الأمازيغية “إيض يناير” عيدًا وطنيًا رسميًا. فهذا القرار لا يندرج في خانة الاحتفال الرمزي فقط، بل يحمل معنى سياديًا عميقًا، إذ يُدرج تقويمًا تاريخيًا ضاربًا في القدم ضمن الزمن الرسمي للأمة. حين تعلن الدولة هذا اليوم عطلة وطنية، فإنها تُقرّ بأن الذاكرة الأمازيغية ليست مجرد تراث ثقافي، بل جزء من الوجدان الوطني المشترك، ومن التاريخ الطويل الذي صاغ هوية المغرب قبل تشكّل الدولة الحديثة بقرون.
مكانة الأمازيغية بالمغرب كمكون مؤسس للدولة
هنا تبرز المفارقة بوضوح فالصين تُبرز ثقافة الإيغور كعنصر جمالي وسياحي، لكنها تفصلها عن عمقها الهوياتي والديني، وتُبقيها في إطار العرض المُراقَب.
أما المغرب، فقد اختار أن يُعيد الاعتبار للأمازيغية من داخل الشرعية الدستورية والمؤسساتية، وأن يمنحها مكانتها الطبيعية في الفضاء العام، باعتبارها مكوّنًا مؤسِّسًا للدولة، لا مجرد فلكلور يُستحضر في المناسبات.
لقد فهمت المملكة المغربية أن الأمازيغية ليست مجرد موروث ثقافي، بل جسرًا حضاريًا يربط المغرب بعمقه الإفريقي والمتوسطي، وبالإنسانية جمعاء. فاللغة، والحرف، والعمارة، والعادات، ليست عناصر جامدة للعرض، بل تعبير عن استمرارية تاريخية تمنح الدولة جذورها العميقة، وتُكسبها تميزًا حضاريًا في محيط إقليمي ودولي يشهد صراعات حادة حول الهوية.
ومن هذا المنظور، تحوّل المكوّن الأمازيغي إلى قوة ناعمة مغربية، تُستثمر في الدبلوماسية الثقافية، وفي صورة المغرب كبلد التعدد والتعايش، وكدولة استطاعت أن توفّق بين الإسلام، والأمازيغية، والعروبة، والانفتاح الكوني، دون أن يتحول أي عنصر إلى أداة إقصاء أو صراع. وهي معادلة نادرة في عالم لم يحسم بعد علاقته بتعدده الداخلي.
إن المقارنة مع الصين تُظهر أن الاعتزاز الحقيقي بالتراث لا يُقاس بحجم المهرجانات ولا بكثرة الصور السياحية، بل بمدى تمكين هذا التراث داخل بنية الدولة. والمغرب، في هذا السياق، لا يقل عن الصين، بل يتفوّق أخلاقيًا وسياسيًا، لأنه اختار الإدماج بدل الاحتواء القسري، والاعتراف بدل التوظيف، والمصالحة بدل السيطرة.
رافعة استراتيجية تعزز وحدة الدولة
وهكذا، يصبح المكوّن الأمازيغي، ومعه الاحتفاء الرسمي برأس سنته، ليس فقط شاهدًا على عمق تاريخي، بل رافعة استراتيجية تعزّز وحدة الدولة، وتمنحها قوة رمزية، وتجعلها أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل. فالدول العظمى لا تُبنى بالقوة وحدها، بل ببناء إنسانها، واحترام ذاكرتها، وتحويل تنوعها إلى مصدر سيادة وثقة. وهذا بالضبط ما راهنت عليه المملكة المغربية، ونجحت فيه.










