الحصيلة (37): رشيد الطالبي العلمي.. جيوب دافعي الضرائب استنزفت مقابل مسار سياسي طويل بلا مساءلة

حسين العياشي
في المشهد السياسي المغربي، هناك من يمرّ عبر المؤسسات، وهناك من تتحوّل المؤسسات نفسها إلى ممرّ دائم له. رشيد الطالبي العلمي، النائب البرلماني عن دائرة تطوان، ربما ينتمي إلى الفئة الثانية، اسم لا يغيب عن المشهد، ولا يخطئه أرشيف المناصب، حاضر في كل الفصول، من الوزارة إلى الجهة، ومن قيادة الفريق النيابي إلى رئاسة مجلس النواب، كأنه نسخة سياسية من الموظف الأبدي الذي يغيّر المكتب ولا يغيّر الوظيفة.
مسار طويل بما يكفي ليُفترض أنه أنتج تحولات، أو على الأقل ترك ندوبًا إصلاحية في جسد القطاعات التي مرّ بها. لكن عندما نخرج من منطق السيرة الذاتية وندخل إلى منطق الأثر، تبدأ الصورة في التقلّص بسرعة مقلقة.
في دائرة تطوان، حيث يُفترض أن يكون النائب صوت الساكنة في قلب القرار، يتحوّل الحضور إلى ما يشبه الغياب المترف. منذ أول دخول له إلى البرلمان سنة 2002، تكاد أدوات المساءلة تختفي من سجله، لا أسئلة شفوية تُذكر، ولا ضغط تشريعي، ولا ترافع منتظم عن ملفات المدينة. مقعد محفوظ، وصوت مؤجل إلى أجل غير مسمى. وكأن التمثيل أصبح تشريفًا لا تكليفًا، وامتدادًا للسيرة الشخصية أكثر منه تعاقد سياسي مع المواطنين.
المنطق الضمني هنا بسيط، عندما تصل إلى الرئاسة، لا تعود بحاجة إلى طرح السؤال، لأنك أصبحت جزءًا من الجواب.. حتى لو لم يكن هناك جواب أصلًا.
وعندما انتقل إلى رئاسة جهة طنجة تطوان، في لحظة كانت فيها الجهة تعيش موجة مشاريع كبرى، أصبح من الصعب التمييز بين ما هو نتاج سياسات جهوية، وما هو امتداد لمنطق استثماري مركزي لا يحتاج كثيرًا إلى المنتخبين. الميناء توسّع، المناطق الصناعية نمت، لكن تطوان والمناطق الداخلية ظلت خارج الصورة الوردية. التنمية مرّت من فوق الساكنة أكثر مما مرّت عبرها.
الجهوية، التي كان يفترض أن تعيد توزيع الفرص، تحوّلت إلى واجهة جميلة لا تغيّر كثيرًا في عمق التفاوتات.
أما في الوزارة، حيث قاد قطاع الشباب والرياضة، فقد خرج كما دخل؛ الملاعب نفسها، دور الشباب نفسها، البرامج نفسها التي تُعاد تدويرها مع كل حكومة. لا قطيعة مع الماضي، ولا رؤية طويلة النفس، فقط إدارة يومية لأزمات مؤجلة. الشباب ظلوا خارج السياسات العمومية الفعلية، والرياضة بقيت رهينة الاختلالات البنيوية، وكأن الوزارة كانت محطة عبور لا مختبر إصلاح.
ثم جاءت محطة رئاسة مجلس النواب، حيث تحقّق إنجاز واحد لا يمكن إنكاره، تسريع المصادقة. قوانين مثيرة للجدل تمرّ بسلاسة، احتجاجات في الشارع، ونقاشات محدودة داخل القبة، وكأن البرلمان دخل مرحلة “التسيير الإداري للتشريع”، لا السياسة بمعناها التمثيلي. المجلس أصبح أكثر هدوءًا، لكن الحكومة أصبحت أكثر راحة.
رئيس المجلس هنا لم يكن قائد نقاش، بل مدير مرور تشريعي في موسسة تكاد تشبه “كتابة الضبط”، يحرص على انسيابية القوانين أكثر من حرصه على خلق النقاش السياسي الذي يعكس رؤية الأمة وإرادتها.
وفي خلفية كل هذا، رقم ثقيل لا يحب السياسيون ترديده؛ أكثر من مليار و296 مليون سنتيم هي الكلفة التقديرية لمسار الرجل في المناصب العمومية. رقم لا يُصرف على سيرة ذاتية، بل على أدوار يفترض أن تترجم إلى أثر اجتماعي، اقتصادي، تشريعي.. وهو أثر يصعب على المواطن العادي في تطوان أن يلمسه في حياته اليومية.
لكن الأخطر من كل هذا، ليس في شخص رشيد الطالبي العلمي، بل في النموذج الذي يجسّده؛ سياسي محترف في البقاء، خبير في التنقّل بين المواقع، بارع في قراءة موازين القوى، لكنه لا يغامر في معارك اجتماعية حقيقية، ولا يقود إصلاحات تصطدم بالمصالح، ولا يترك توقيعًا تشريعيًا واضحًا.
سياسة بلا ضجيج، بلا مخاطرة، وبلا ثمن سياسي.
وهنا يعود السؤال إلى مربعه المقلق: من سمح لهذا النموذج أن يستمر؟ الجواب ليس في مطبخ الأحزاب فقط، بل في صناديق الاقتراع، وفي ثقافة انتخابية تخلط بين “الاسم المعروف” و”المجهود المبذول”، وتمنح الثقة على أساس الألفة لا على أساس المحاسبة.
في تطوان، كما في مدن كثيرة، تحوّل المقعد البرلماني إلى إرث سياسي غير معلن، يُجدد بالتعوّد، لا بالتقييم.
رشيد الطالبي العلمي ليس استثناءً، بل تجسيدًا متقدّمًا لسياسة تعتبر أن كثرة المناصب دليل نجاح، حتى لو كانت النتائج متواضعة، وأن الوجود في الصورة أهم من تغيير الواقع.
وفي هذا المنطق، تصبح السياسة فنّ إدارة المسار الشخصي، لا فنّ إدارة المصلحة العامة.
في هذه السلسلة، لا نطارد الأشخاص، بل نطارد العمل الذي لم ينجز والأسئلة التي لا تُطرح تحت القبة، والفواتير التي تُدفع خارج النقاش، ثم المقاعد التي تتحوّل من أدوات تمثيل إلى مقاعد مريحة لا أكثر.
وغدًا، نواصل..
مع اسم آخر، ومسار آخر، وسؤال جديد:
كم كلّفنا هذا الصمت؟ ومتى يصبح البقاء في المنصب إنجازًا أقل من مغادرته بكرامة سياسية؟





