وجوه وسط مدينة الدارالبيضاء بين التواري والانزواء

د. محمد شقير
على غرار الأماكن والمحلات التي عرفها وسط مدينة الدارالبيضاء من مقرات إدارية من عمالة ومحكمة ابتدائية وبنك المغرب وبريد ، أو دور سينما ك أبس والريف وغيرها أو مقاهي كمقهى لاشوب أو لابرنسيار أو غيرها ، أثث فضاء وسط المدينة وجوه أصبحت مألوفة لدى رواد هذا الفضاء كانت تمارس أعمالا أو سلوكات خاصة عرفت بها حيث ارتبطت هذه الوجوه بهذا الفضاء لعدة عقود.
-العوني ماسح الأحذية الصموت
كان لتمركز سلطات الحماية في المدينة، وبناء مرسى الدار البيضاء، وتوافد العديد من المعمرين، خاصة الفرنسيين، للاستقرار بهذه المدينة دورا أساسيا في انتشار المقاهي. فالثقافة المتوسطية و وبالأخص نمط حياة الفرنسيين عادة ما يقوم على تخصيص حيز زمني لارتياد المقاهي إلى جانب البيسترو والحانة.
فالمقهى تعتبر من بين الفضاءات المفضلة للفرنسي لارتشاف قهوة الصباح والتدخين وقراءة الصحف، وإثارة مواضيع تتعلق بالسياسة والثقافة والفن والمسرح والرياضة وباقي المجالات الأخرى.لذا فقد ضمت المدينة العصرية التي أشرف على بنائها مهندسو الحماية تشييد العديد من المقاهي التي كانت تحمل أسماء تعكس جوانب من الثقافة الفرنسية، كمقهى فرنسا، ومقهى إكسلسيور، ومقهى لاشوب، ومقهى لاكوميدي التي تعتبر من بين أقدم المقاهي في الدار البيضاء.
وبانتشار هذه المقاهي كان هناك عدد من ماسحي الأحذية الذين كانوا يتناوبون على مسح أحذية زبناء هذه المقاهي حيث منهم على الخصوص العوني الذي عرف بلطفه ودماثة خلقه لكن بالأخص إتقانه لمهنته. فبعدما كان يقوم بمسح الأحذية بممر الكلاوي ،اتخذ مقره الرئيسي بمقهى لابنرسيار حيث كان يقضي سحابة يومه في مسح أحذية الزبائن، الذين كانوا يقبلون على المناداة عليه لمسح أحذيتهم لما عرف عنه من إتقان في مسح الأحذية سواء من خلال انتقاء أجود السيراج أو الطريقة التي يقوم بها لمسح الأحذية حيث تخرج من بين يديه لامعة .
كما كان يكبر فيه الزبناء عدم إكثاره من الكلام والثرثرة وكذا حرصه على الظهور بملابس لائقة، وحرصه على تنظيم وقت عمله فهو كان يشتغل منذ الصباح إلى حدود السادسة مساء ليترك حقيبة مسح الأحذية بمقهى البرنسيار ويغادر للعودة إلى بيته. كان متحدثا لبقا يحكي في بعض الأحيان بصوت خفيض ودون أن تفارقه ابتسامته المعهودة عن طبيعة الحياة ووتيرتها في وسط المدينة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي والاختلاف الذي طرأ عليها في الوقت الراهن سواء من خلال طبيعة الزبناء أو نوعية رواد فضاء وسط المدينة .
لكن خلال السنوات الأخيرة بدأ زبناء مقهى لابرنسيير وألبا يفتقدون العوني الذي كان يتغيب لفترات متقطعة عن عمله بسبب مرض القلب الذي كان يعاني منه بصمت والذي انتهى بتغييبه إلى الابد حيث انتشر خبر وفاته مؤخرا مخلفا سمعة طيبة عن أتقن ماسح أحذية عرفه وسط الدارالبيضاء وتاركا أبناء يشتغلون في مهن محترمة بفضل مهنة والدهم العوني ماسح الأحذية الذي ذهب في صمت كما كان يشتغل بصمت.
-زكريا ممثل مقهى لاشوب المرح
ارتبطت مقهى لاشوب لسنوات بزكريا الممثل البيضاوي المرح . فقد دأبت هذه الشخصية التي كانت معروفه بخفة دمها و حفظها وترديدها للأغاني العربية الكلاسيكية خاصة الكلثوميات. إذ تعود رواد مقهى لاشوب أن يستضيفوا زكريا على كأس شاي ليطلبوا منه ترديد مقاطع من هذه الاغنية من ربتوار كوكب الشرق أو لفريد الأطرش أو أغاني محمد الوهاب بالإضافة إلى أغاني من الريبتوار المغربي ليصوب زكريا نظارته الطبية قبل أن يبدأ في ترديد بعض المقاطع من هذه الاغاني.
وكلما انتهى من ذلك يرجع إلى مكانه بين جلسائه الذي تعود قضاء أوقات من يومه معهم في التندر والفكاهة قبل أن يعود إلى منزله المتواد بحي بورنازيل الذي كان يعيش فيه لوحده كرمل بعد أن توفيت زوجته منذ عشرين سنة، وبعيدا عن ستة أبناء كلهم يعيشون في كندا.
وقد عرف زكريا سواء بين رواد مقهى لاشوب أو بين جيرانه بخصاله، وبكونه ذاكرة تختزن كل صغيرة وكبيرة في مدينة الدار البيضاء، و أنه كان يحب الجميع ويضحك في وجه كل من يقابله، ويتمتع بسمعة طيبة. وقد أكد الفنان المغربي، الحاج يونس، بأن زكريا كان يشكل ذاكرة قوية في مدينة الدار البيضاء، وهو من البيضاويين القدامى، يعرف مدينة البيضاء شبرا شبرا، موضحا أنه كان من بين رواد المسرح، وكان موسيقيا ومن السباقين للكاميرا الخفية.
كما الذين يعرفونه جيدا أن الممثل زكريا كان إنسانا طيبا، معروفا بمرحه الدائم، مشيرين إلى أنه كان دائم الاحتفال مع أصدقائه من الفنانين داخل شقته. حيث أوضحوا أن الأعمال الفنية، التي شارك فيها، قليلة جدا، لكنه كان أول من قام بأدوار للكاميرا الخفية في المغرب، وشارك في مسلسل”ستة من ستين” و”ذاكرة مدن”.
وبالتالي فقد أصيب الكل سواء رواد مقهى لاشوب وكل معارفه بالإضافة إلى جيرانه بالذهول عندما سمعوا بمقتله وهو في سن 70 سنة بعد تلقيه ضربات بشاقور على رأسه من طرف إحدى الخادمات التي كانت تتردد على بيته للقيام بأشغال منزلية ، لكونه أرمل ويعيش وحيدا، حيث عاجلته هذه الخادمة حسب تصريحاتها أمام الضابطة القضائية لبن مسيك وهو ساجد في الركعة الثانية في صلاة العصر، بتوجيه ضربة إلى رأسه كانت كافية لكي ينفجر الدم من رأسه.
حيث ظل زكريا يقاوم جرحه الغائر ونهض وهو مدرج في دمائه، وحاول أن يخنقها، فقاومته وبعد أن أسقطها فوق أريكة، دفعته برجلها وطرحته أرضا، وبينما كان يزحف على ركبتيه في اتجاه باب الشقة الرئيسي لطلب النجدة، سارعت المتهمة إلى ضربه مرتين بحاملة شموع نحاسية، ليسقط بعدها أرضا مغمى عليه، وختمت المتهمة حسب تفاصيل تمثيلها للجريمة، بضربة رابعة من شاقور التي كانت كافية ليلفظ زكريا أنفسه الأخيرة.
لتقوم بعد ذلك بسرقة ساعته اليدوية ومبلغ 1200 درهم كانت في جيبه، وجهاز “ي في دي«، وبعض الحلي مشكلة من خواتم، وهواتف محمولة. قبل أن تغادر الشقة. ليفقد فضاء وسط المدينة خاصة زبناء مقهى لاشوب ضحكات وصوت زكريا الممثل البيضاوي المرح.
-الجيلالي الممثل القزم
مما لاشك فيه أن كل من سبق أن ارتاد وسط المدينة إلا ويكون قد صادف الجيلالي وه يجوب فضاءوسط المدينة خاصة وأزقتها وبالأخص ساحة مولاي عبد الله ألأو ما درج البيضاويون على تسميته بالبرانس .فهذا الفضاء هو ركح الجيلالي الذي يسير جيئة وإيابا وذلك منذ إشراقة كل صباح إلى عشية كل مساء حيث يرى وهو يتجول بخطواته القزمية وهو يحمل هاتفه النقال متحثا بصوت مرتفع وكأنه في مسرحية أو في سلسلة تلفزية أو شريط سينمائي .فالجيلالي بوسكة وجه بارز بمدينة الدار البيضاء، وممثل منذ كان في التاسعة من عمره، دخل إلى بيوت المغاربة من خلال أفلام سينمائية وسيتكومات تلفزيونية “كالربيب” و”العوني”، وملأ نهج سيرته المهنية التي لم يتوان عن طبعها وإحضارها، بكل الأعمال التي شارك فيها موثقة بالسنوات والمخرجين .
حيث عادة ما يردد في كل تصريح أو استجواب بعبارته المعهودة ” أنا أحب الشعب والشعب يحبني”، التي تعكس مرارة معاناته الفنية والنفسية ونوع من التصالح مع الذات وراحة نفسية يحس بها، معبرا عن سخريته من لم يحصل لهم “شرف” رؤية أعماله. مؤكدا بقوله “أنا ممثل والكل يحترمني في الشارع” ومستدركا ” كاين اللي كيضربني ويتعدا علي ولكن أنا ممثل كنحب الشعب والشعب كيحبني مكنديهاش فيهم” . حيث لا يمل الجيلالي من ترديد أسماء قائمة طويلة من الممثلين والمخرجين المغاربة الذين يعتبرهم أصدقاءه الحقيقيين، عكس الجيل الصاعد من الممثلين الشباب ناعتا إياهم بقوله “حكارة هادوك”. فالجيلالي ابن درب السلطان يتيم الأب والأم، ويعيش في بيت أخته المتزوجة التي تعتني به وبزوجها، يصف الجيلالي برنامجه اليومي ” أستيقظ في السادسة صباحا، وأنام في حوالي 11 ليلا”، يقضي الجيلالي ساعات في المشي لتجنب آلام المفاصل كنوع من الرياضة اليومية التي يواظب عليها، إلى جانب الترويض كل اثنين وجمعة، بعد أن عجز عن المشي لمدة سنة.
كما يواظب على صلواته الخمس، ويرتاد مقاهي ” كافي فرانس” “لاشوب” و”باريدول”، وهاتفه المحمول لا يفارقه، ولا يتأخر في الإجابة عن أي اتصال، منتظرا دعوة إلى المشاركة في عمل تلفزيوني أو سينمائي، وما بين هذا وذاك، يعتمد على إعانات المحسنين وصدقات إخوته الثلاثة.
ويستنكر عدم دعوته للمهرجانات الدولية والوطنية، كمهرجان مراكش للسينما حيث سبق أن استنكر ذلك بقوله “قولوها للصايل، رئيس المركز السينمائي المغربي السابق ، علاش ماكايتاصلش بيا؟” فمسار الفنان الجيلالي الفني والتلفزيوني طويل تخللته العديد من الأزمات، يقول عن بعضها: “تعاملت مع العديد من الفنانين والمنتجين وتقاضيت أجورا تتراوح بين الهزيلة والعادية بناء على طبيعة الدور الذي أقوم به، فأحيانا أتسلم 2000 درهم في اليوم إذا كان الدور مهما، وأحيانا يكون ذلك هزيلا، وهنا لا أريد أن أذكر أي منتج مخافة أن أحرم من لقمة العيش مستقبلا. هذه الأجور أتقاسمها مع عائلتي، لاسيما أختي التي تعينني في الحياة. إذ أنني عشت فترات من عمري يتيما ولا أعيش إلا على ما أكسبه من التمثيل على الرغم من أن ذلك لا يكون كافيا بالنسبة للمعيشة”.
وقد أضاف الجيلالي: “قبل أشهر تعرضت لأزمة صحية أفقدتني المشي والحركة بعد إصابتي بشلل على إثر سقوطي على ظهري، مما استدعى نقلي إلى المستشفى، والحمد لله أنني وجدت من حملني للعلاج، من بينهم حسن النفالي، أحمد الصعري، محمد بوغابة، مصطفى التازي، عبد الهادي الصديق، ثريا جبران… و بعض ممثلي التأمين في الدار البيضاء. كما لا أنسى دعم الوزيرة الصقلي. بعد ذلك نقلوني إلى مركز «بوسكورة» للترويض الطبي، والحمد لله أنني أعالج ولولاهم لبقيت في حالة صحية مزرية». و يقول الجيلالي: من الأشياء التي تحز في قلبي أن لا أحد من الممثلين الذين اشتغلت معهم في الرباط زارني أو سأل عني في هذه المحنة…”
لكن في السنوات الأخيرة ، لوحظ تغيب الجيلالي عن وسط المدينة حيث لم يعد يرى متجولا بين جنباته كالمعتاد، بعدما تعرض الفنان الجيلالي بوسة عشية الأحد 29 يوليوز2025، لحادثة سير بشارع محمد الخامس في قلب الدار البيضاء حينما صدمته سيارة خفيفة، قبل أن يلوذ سائقها بالفرار ما عرضه لإصابات متفاوتة الخطورة حيث خضع لعملية جراحية عاجلة. مما اضطره للتحرك بعربة والتسول بمساعدة من أخته أمام محطات الحافلات وطاكسيات وسط المدينة .
بينما لم يسجّل تضامن من طرف الفنانين الاخرين أو من نقابة الفنانين ، وكأن الفنان الجيلالي خلق لتأثيث بعض المشاهد واستغلال صورة جسده لا غير، ورغم أن الادوار التي لعبها لم يلعبها حتى بعض الفنانين المعروفين جدا؟؟؟في مخالفة واضحة لحقوق الإنسان في أدنى مستوياتها. لكن الجيلالي سيبقى مترسخا في ذاكرة البيضاويين كوجه مألوف ضمن أزقة وساحة وسط المدينة.





