سباق خفي بين زعامات الأحزاب لاقتناص مقاعد المحكمة الدستورية

حسين العياشي

عاد سباق التموقع داخل المحكمة الدستورية ليشعل كواليس المشهد الحزبي، مع اقتراب موعد تجديد ثلث أعضائها، في لحظة تكشف بوضوح كيف تتحول واحدة من أكثر المؤسسات الدستورية حساسية إلى ساحة تنافس سياسي تُدار بمنطق الحصص أكثر مما تُدار بمنطق الاستحقاق.

في مجلس المستشارين، انطلقت التحركات مبكراً عقب توصل المجلس بإحاطة رسمية من رئيس المحكمة الدستورية بتاريخ 22 دجنبر تفيد بانتهاء مدة انتداب العضو المنتخب عنه في الرابع من أبريل المقبل. هذا المعطى عجّل بفتح باب الترشيحات، وأطلق في الوقت نفسه سباقاً غير معلن داخل الأحزاب، تقوده قيادة حزب الاستقلال من أجل الحفاظ على مقعد داخل المؤسسة.

ووفق معطيات متطابقة، فإن نزار بركة، الأمين العام للحزب، حسم خياره ويدفع بثقل التنظيم في اتجاه ترشيح عبد الحفيظ أدمينو، الأستاذ الجامعي بجامعة محمد الخامس وعضو اللجنة التنفيذية للحزب، لولاية كاملة تمتد لتسع سنوات، في مسعى واضح لتأمين استمرار الحضور الاستقلالي داخل المحكمة دون مقاومة سياسية تُذكر.

في الجهة المقابلة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً داخل مجلس النواب، حيث يقترب انتهاء ولاية العضو المحسوب على حزب العدالة والتنمية، محمد بن عبد الصادق، بعد تسع سنوات داخل المحكمة، دون أن يُعلن بعد عن فتح باب الترشيح لخلافته. هذا التأجيل لا يُقرأ فقط كإجراء مسطري، بل كجزء من انتظار ما يوصف بـ”التوافق السياسي” بين الأحزاب المعنية بالمقعد، وعلى رأسها حزب التقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، وكلاهما يطالب بالتمثيل داخل المحكمة.

وفي هذا السياق، تشير معطيات إلى أن نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، دخل في جولة اتصالات مكثفة مع قادة أحزاب سياسية، في محاولة لضمان دعم ترشيح محسوب على حزبه، في مشهد يعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذا المقعد، ويكشف كيف تتحول التعيينات الدستورية إلى موضوع تفاوض سياسي مباشر، تُدار فيه الأمور بالهواتف والترضيات أكثر مما تُدار بمعايير شفافة ومعلنة.

المفارقة أن مسار مجلس المستشارين يسير في اتجاه الحسم السريع وترتيب الخلافة داخل الحزب نفسه، بينما يظل مقعد مجلس النواب معلقاً على ميزان التوافقات الحزبية، بما يعزز الانطباع بأن منطق تقاسم المواقع لا يزال حاضراً بقوة في تدبير ولوج المؤسسات الدستورية، حتى عندما يتعلق الأمر بهيئة يُفترض فيها التحكيم في دستورية القوانين والبت في النزاعات ذات الطابع المؤسساتي الدقيق.

ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة سؤال التوازن بين الشروط القانونية والانتماءات التنظيمية. فالقانون يشترط في أعضاء المحكمة الدستورية التوفر على تكوين عال في القانون، وكفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، وخبرة مهنية تفوق خمس عشرة سنة، إلى جانب سمعة قائمة على النزاهة والاستقلال. غير أن متابعين يرون أن جوهر الإشكال لا يكمن في استيفاء هذه الشروط على الورق، بل في مدى قدرة المرشحين، بعد تعيينهم، على التحرر من منطق الولاءات الحزبية التي حملتهم إلى هذه المواقع.

وبين ضغط الأحزاب للحفاظ على موطئ قدم داخل مؤسسة استراتيجية، وحاجة النظام الدستوري إلى قضاة يتمتعون بأقصى درجات الاستقلالية، يتكرس مشهد رمادي تختلط فيه الاعتبارات السياسية بالوظيفة الدستورية، في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة من توازنات داخل البرلمان، ومن اختيارات ستحدد ليس فقط أسماء أعضاء جدد، بل أيضاً صورة المحكمة الدستورية في علاقتها بالفاعل الحزبي وحدود المسافة الفاصلة بين السياسة والتحكيم الدستوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى